تعميق الانقسام بين مغاربة العالم؟

بقلم الإعلامي حيمري البشير – كوبنهاغن، الدنمارك

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية بالمغرب، تتجدد الأسئلة حول موقع مغاربة العالم داخل المشروع الديمقراطي الوطني، وحول الأسباب الحقيقية التي ما تزال تحول دون تفعيل الحقوق السياسية التي ضمنها دستور 2011 بشكل واضح وصريح. لقد أفرزت حالة التردد، بل وغياب الإرادة السياسية لدى عدد من الأحزاب المغربية في إشراك الكفاءات والطاقات المغربية المقيمة بالخارج، ردود فعل متباينة داخل صفوف المناضلين والفاعلين السياسيين من أبناء الجالية. فمنهم من اختار خوض غمار الانتخابات عبر لوائح مستقلة، ومنهم من قرر الانفصال عن أحزاب قضى داخلها سنوات طويلة من النضال والتأطير، بعدما فقد الثقة في قيادات حزبية لم تعد، في نظر الكثيرين، قادرة على استعادة ثقة المواطنين أو الدفاع الجاد عن قضايا مغاربة العالم.

ولعل النموذج الأبرز يتمثل في عدد من الذين ارتبطت أسماؤهم لعقود بالحركة الاتحادية، قبل أن يختاروا اليوم مسارا سياسيا مختلفا، تعبيرا عن قناعة مفادها أن الدفاع عن الحقوق الدستورية للجالية لا ينبغي أن يبقى رهين الحسابات الحزبية الضيقة. غير أن المؤسف في هذه المرحلة ليس تعدد الاختيارات السياسية في حد ذاته، فذلك حق مشروع ومظهر صحي من مظاهر التعددية الديمقراطية، بل إن ما يثير القلق هو حجم التشنج والتجاذب الذي بدأ يطبع النقاش بين عدد من الفاعلين الجمعويين والسياسيين بالخارج. وهو نقاش تجاوز أحيانا حدود الاختلاف المشروع إلى منطق الاصطفاف والتخوين والتشكيك، الأمر الذي يسيء إلى سنوات طويلة من النضال المشترك الذي خاضه مغاربة العالم دفاعا عن حقهم في المشاركة السياسية الكاملة.

إن هذا الصراع لا يعكس حقيقة المعركة الأساسية التي ينبغي أن توحد الجميع، وهي معركة تفعيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بتمثيلية مغاربة العالم ومشاركتهم في تدبير الشأن العام. كما أن تغذية هذه الخلافات عبر بعض المنابر والمواقع المحسوبة على هذا التيار الحزبي أو ذاك لا تخدم سوى الجهات التي لا تزال ترى في إشراك الجالية تهديدا لموازين سياسية قائمة، أكثر مما تراه استحقاقا ديمقراطيا وحقا دستوريا أصيلا. وفي الواقع، فإن حرمان مناضلين وكفاءات من مغاربة العالم من التزكيات الحزبية لا يمكن قراءته إلا باعتباره استمرارا لنهج الإقصاء السياسي الذي عانت منه الجالية لسنوات طويلة، رغم ما راكمته من خبرات وتجارب ديمقراطية داخل بلدان الإقامة، ورغم مساهمتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الكبرى في خدمة الوطن.

ومع احترام حق من اختاروا الترشح كمستقلين، فإن القراءة الواقعية للمشهد الانتخابي تجعل حظوظهم في الوصول إلى المؤسسة التشريعية محدودة، خاصة في ظل غياب الدعم الحزبي المنظم، وضعف التعبئة الجماهيرية، وطبيعة التوازنات الانتخابية المعروفة. لذلك كان من الأجدى، في نظر العديد من المتابعين، خوض معركة التغيير من داخل الأحزاب السياسية وانتزاع مواقع القرار والتزكيات من داخل المؤسسات الحزبية نفسها، بدل خوض معارك فردية غير متكافئة. لكن مهما اختلفت التقديرات والخيارات، فإن الخاسر الأكبر من هذا الجدل هو قضية مغاربة العالم نفسها. فاستمرار الانقسام بين المدافعين عن الترشح المستقل وبين الداعين إلى المقاطعة أو إلى العمل من داخل الأحزاب، يضعف المطلب المركزي ويشتت الجهود في لحظة تحتاج إلى أكبر قدر من الوحدة والتنسيق.

إن المرحلة الراهنة تقتضي الارتقاء بالنقاش من منطق الأشخاص إلى منطق المبادئ، ومن معارك المواقع إلى معركة الحقوق. كما تفرض على جميع الفاعلين، مهما اختلفت اجتهاداتهم، الاصطفاف حول هدف واحد: إنهاء حالة الإقصاء السياسي التي تطال ملايين المغاربة المقيمين بالخارج، والدفع نحو التفعيل الكامل لمقتضيات دستور 2011 بما يضمن تمثيلية حقيقية وعادلة لمغاربة العالم داخل المؤسسات المنتخبة. فالقضية أكبر من الأسماء، وأسمى من الحسابات الظرفية، لأنها تتعلق بمستقبل المشاركة السياسية لمواطنين مغاربة ظلوا لعقود جزءا أصيلا من الوطن، ومن حقهم أن يكونوا شركاء كاملين في صناعة قراره الديمقراطي.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “تعميق الانقسام بين مغاربة العالم؟

  1. عين منطق العقل السياسي الديموقراطي: كل قضية تهم وطن، يكون الحسم فيها بالتشارك لا بمعيار التمثيلية. أس الديموقراطية الناجحة هي التشاركية. غير أن العاءق إلى حدود اليوم هو علاقة ذلك بمستوى الوعي يقيم الديموقراطية، القيم التي تقتضي تكوين طبقة اجتماعية واسعة في مجتمع، هي من سينزل هذه المنظومة القيمية على أرض الواقع…..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *