بقلم زكية لعروسي, باريس
في زمن ولى وانتهى، كان العاشق يواجه التنين. ثم صار يواجه القبيلة. ثم صار يواجه العائلة. أما في القرن الحادي والعشرين، فقد يجد نفسه واقفا أمام موظف في البلدية يحمل ملفا إداريا أكثر مما يحمل سيفا. هذه هي المفارقة التي تكشفها مناقشات البرلمان الفرنسي حول تشديد الرقابة على زواج الأشخاص الموجودين في وضعية إقامة غير نظامية. قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، نقاشا قانونيا تقنيا يتعلق بالهجرة والإدارة والأوراق الرسمية. لكنه في جوهره أعمق من ذلك بكثير. إنه يمس واحدة من أكثر القضايا حساسية في التاريخ الإنساني: العلاقة بين الحب والقانون، بين الدولة والفرد، بين الحدود السياسية والرغبات الإنسانية. فالزواج، منذ فجر الحضارات، لم يكن مجرد عقد بين شخصين. كان دائما نقطة التقاء بين الخاص والعام. بين القلب والمؤسسة. بين الحلم والسلطة.
كان الإغريق يعرفون هذه المعضلة جيدا. في التراجيديات اليونانية الكبرى، كثيرا ما اصطدم القانون بما يسميه الفلاسفة “القانون الطبيعي”. في مأساة “أنتيغون”، لم تكن البطلة تواجه مجرد ملك، بل كانت تواجه سؤالا أبديا: هل توجد حقوق أسبق من السلطة؟ وهذا السؤال نفسه يعود اليوم بثوب جديد. هل يحق للدولة أن تضع قيودا إضافية على الزواج عندما يكون أحد الطرفين في وضعية غير نظامية؟ أم أنّ الزواج حق إنساني لا يجوز أن يتحول إلى أداة من أدوات سياسة الهجرة؟ لا توجد إجابة سهلة. لأن الواقع أكثر تعقيدا من الشعارات.
فالدول ليست جمعيات خيرية. وإدارة الهجرة ليست وهما نظريا. هناك بالفعل حالات زواج صوري. وهناك شبكات تستغل مؤسسة الزواج للحصول على الإقامة أو الجنسية. وهناك رؤساء بلديات يجدون أنفسهم أحيانا أمام ملفات تثير الشكوك. من هذه الزاوية يبدو مطلب منح المنتخبين المحليين وسائل إضافية للتحقق من الوقائع مطلبا مفهوما. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى قاعدة. وعندما يتحول الاشتباه إلى منهج. وعندما يصبح كل مهاجر مشروع متهم إلى أن يثبت العكس. هنا تحديدا يظهر الوجه الاجتماعي للقضية. فالمهاجر العربي، خصوصا القادم من مجتمعات تعطي للأسرة والزواج مكانة مركزية، يعيش أصلا سلسلة طويلة من الاختبارات. اختبار اللغة. اختبار العمل. اختبار الاندماج. اختبار النظرة الاجتماعية. ثم قد يجد نفسه أمام اختبار جديد يتعلق بحياته الخاصة الأكثر حميمية. فالحب الذي كان ينبغي أن يكون ملاذا من القلق، يتحول أحيانا إلى ملف إداري. والزواج الذي كان يفترض أن يكون بداية استقرار، يصبح مصدرا للخوف. وقد عرف التراث العربي هذه المفارقات بطرق مختلفة. الجاحظ، ذلك المراقب العبقري للطبيعة البشرية، كان يدرك أن الناس لا يتحركون دائما وفق ما تعلنه القوانين أو الأخلاق الرسمية، بل وفق مصالح وعواطف ورغبات متشابكة. وكان يعرف أن المجتمع يصنع حول الزواج سرديات كثيرة، بعضها يتعلق بالمحبة وبعضها يتعلق بالمكانة والمال والنجاة. ولو عاش بيننا اليوم، ربما لكتب صفحات ساخرة عن عاشق يحمل باقة ورد في يد، وملف إقامة في اليد الأخرى. لكن خلف السخرية تكمن مأساة حقيقية.

لأن كثيرا من الزيجات المختلطة تتحول بالفعل إلى جحيم. ليس بسبب القانون وحده. بل بسبب اختلال التوازن داخل العلاقة. فعندما يصبح أحد الطرفين مرتبطا قانونيا بالطرف الآخر من أجل الإقامة أو الاستقرار، تظهر علاقات قوة غير متكافئة. وقد يؤدي ذلك إلى الابتزاز العاطفي أو النفسي أو الاقتصادي. وفي بعض الحالات يتحول الزواج إلى سجن صامت. لا يستطيع أحد الطرفين المغادرة خوفا من فقدان وضعه القانوني. ولا يستطيع الآخر التحرر من شعور دائم بالشك. وهنا تلتقي المأساة الإنسانية مع المأساة الإدارية. لكن الخطأ الكبير هو اختزال كل هذه الوقائع المعقدة في خطابين متطرفين. الأول يقول إن كل زواج يخص مهاجرا غير نظامي هو عملية تحايل. والثاني يقول إن أي رقابة تشكل بالضرورة عنصرية أو اضطهادا. كلا الخطابين يفشل في فهم الواقع. فالواقع أكثر التواء. وأشد إنسانية. وأكثر ألما.
إن الدولة الديمقراطية مطالبة بحماية مؤسساتها القانونية. لكنها مطالبة أيضا بحماية الحريات الأساسية. ومن بينها الحق في تكوين أسرة. والتحدي الحقيقي ليس منع الزواج. ولا فتح الباب بلا ضوابط. بل بناء آليات تحقق دقيقة تحارب الاحتيال دون أن تحوّل الحب نفسه إلى موضع اشتباه دائم. وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن أوروبا التي شيدت جزءاً من هويتها الحديثة على حرية الفرد تجد نفسها اليوم أمام سؤال قديم جديد: إلى أي مدى تستطيع الدولة أن تدخل إلى أكثر مناطق الحياة خصوصية؟ إلى أي مدى يمكن للقانون أن يفتش في القلوب؟ لا أحد يملك جهازا يقيس صدق الحب. ولا توجد وثيقة إدارية تثبت الإخلاص. ولهذا ستظل كل القوانين، مهما بلغت دقتها، تدور حول الحقيقة دون أن تمسك بها كاملة. ليست القضية قضية زواج فقط. إنها قضية حضارة قضية مجتمع يحاول أن يوازن بين الأمن والحرية. بين السيادة والكرامة. بين حق الدولة في التنظيم وحق الإنسان في أن يحب. وفي هذا التوازن الهش، يقف آلاف المهاجرين العرب كل عام أمام أبواب البلديات والمحاكم والإدارات. يحملون أوراقا رسمية. لكنهم يحملون أيضا شيئا لا تستطيع أي إدارة أن تختبره: حكاياتهم.
📲 Partager sur WhatsApp
أنطولوجيا الحق هو الأصل، أما القاعدة أو القانون فهو تعاقد قد يقوم على التمثيلية أو يوضع في إطار تشاركية تكون فيه الحكمة هي روح الحقوق، وعلى رأسها روح الحق في الحياة والأسلوب الذي يرغب فيه الفرد بوصفه انسانا شخصا على حد ما ذهب إليه كانط. ما يحفظ الكرامة هو الأساس….أما الانحدار في النقاش الذي تعرفه بلد الأنوار، فيشر أننا أمسينا نعيش زمن الأنوار المظلمة.