بقلم زكية لعروسي, باريس
في ذلك الصباح الباريسي الذي كانت فيه الشمس تضرب الإسفلت كما لو أنها مطرقة من نار، دخلتُ أحد أكبر المستشفيات الفرنسية وأنا أحمل في داخلي يقيناً واحداً: أنني سأرى انتصار العلم. كنت أرافق صديقة خرجت لتوها من عملية دقيقة. وكانت رحلتي، في الظاهر، مجرد زيارة لمريضة. لكن ما رأيته هناك تحوّل إلى رحلة داخل أسئلة عصرنا الكبرى. في تلك الممرات البيضاء التي تشبه أنهارا من الضوء، حيث تتحرك الأسرة بصمت وتومض الشاشات كنجوم إلكترونية صغيرة، بدا الطب الفرنسي وكأنه أحد أعظم إنجازات الحضارة الحديثة. رأيت أطباء يلاحقون المرض كما يلاحق البحارة العواصف. رأيت ممرضات ينسجن من الصبر ما لا تستطيع الآلات أن تصنعه. رأيت وجوها أنهكها السهر لكنها ما زالت تمنح الأمل لمرضى يقفون على الحدود الدقيقة بين الخوف والرجاء. هناك فهمت أن المستشفى ليس مبنى. إنه شكل من أشكال الإنسانية. إنه المكان الذي تلتقي فيه العبقرية العلمية بالرحمة البشرية.
في غرف الأورام والجراحة والعلاج المكثف، لم تعد المعجزة كلمة دينية فقط، بل أصبحت أحيانا فعلا طبيا يوميا. ومع ذلك، وسط هذا الانتصار الهائل للعقل البشري، اصطدمت بمشهد بدا لي وكأنه خرج من إحدى مفارقات التاريخ. خارج المستشفى كانت باريس تختنق تحت موجة حر غير مسبوقة. أما داخله، فقد اكتشفت أن إحدى أكثر القضايا إلحاحا لم تكن جهازا طبيا متطورا ولا علاجا تجريبيا جديدا، بل شيئا أبسط بكثير: الهواء. نعم، الهواء. كيف يمكن لمؤسسة قادرة على استئصال ورم معقد، وإجراء جراحة روبوتية دقيقة، ومراقبة وظائف القلب في كل ثانية، أن تجد نفسها في مواجهة معضلة تبريد بعض الغرف؟ في قسم يضم مرضى السرطان ومرضى ما بعد العمليات الكبرى، كانت الحرارة أحيانا الضيف غير المرغوب فيه الذي لا يستطيع أحد طرده بالكامل. وفي بعض الغرف كان هناك جهاز تبريد متنقل يزمجر طوال الليل كأنه محرك سفينة عالقة في اليابسة. يطرد الحرارة، لكنه يطرد معها النوم أيضا. وكان المشهد يحمل شيئا من العبث الإنساني. فالإنسان الذي استطاع أن يزرع قلباً ويهندس جينات ويصنع أدوية تستهدف الخلايا السرطانية بدقة مذهلة، ما زال يبحث عن الطريقة المثلى ليمنح مريضاً ضعيفاً ليلة باردة وهادئة في صيف يزداد توحشا.

ولم تكن هذه المفارقة مجرد انطباع شخصي. ففي الوقت الذي كنت أعيش فيه تلك التجربة، كانت مدينة نانت الفرنسية تشهد نقاشا وطنيا حول المستشفى الجامعي الجديد. المشروع العملاق الذي يمتد على مئات آلاف الأمتار المربعة قرر ألا يجعل التكييف شاملاً لكل المساحات. الرهان هناك مختلف. رهان على ما يسميه المهندسون “التصميم البيومناخي”. رهان على العمارة قبل الآلة. على الظل قبل الضاغط الكهربائي. على الزجاج الثلاثي، والخزانات الحرارية، والتهوية الذكية، والأشجار، والمياه، واتجاهات الرياح. بكلمات أخرى، محاولة لإحياء حكمة قديمة بلغة تكنولوجية جديدة. لكن النقابيين والعاملين في المستشفيات يطرحون سؤالا مشروعا: هل تكفي الفلسفة المعمارية عندما تصل الحرارة إلى أربعين درجة؟ وهل يستطيع مريض السرطان أن ينتظر نجاح تجربة بيئية بينما جسده المنهك يبحث عن نسمة باردة؟ هنا تحديدا تبدأ المعضلة.
لقد علّمنا القرن العشرون أن الصحة العامة تنتصر بالعلم. لكن القرن الحادي والعشرين يكتشف شيئا جديدا: أن المناخ نفسه أصبح جزءا من الطب. لم يعد الهواء مجرد عنصر يحيط بالمريض. أصبح جزءا من العلاج. بل ربما أصبح دواء بحد ذاته. إن ارتفاع درجة حرارة غرفة واحدة يمكن أن يضاعف معاناة مريض مسن. ويمكن أن يرهق طاقما طبيا بأكمله. ويمكن أن يحرم جسداً ضعيفاً من النوم الذي يحتاجه للتعافي. لهذا لم يعد النقاش حول التكييف نقاشا تقنيا. إنه نقاش أخلاقي. والمفارقة الأكثر إثارة أن الجدل السياسي يصور الأمر وكأنه صراع بين أنصار التكييف وأعدائه. بين الحداثة والإيكولوجيا. بين الإنسان والطبيعة. لكن الحقيقة أكثر تعقيدا. فالطبيب الذي يحتاج إلى غرفة مبردة لإنقاذ مريض ليس عدواً للبيئة. والمدافع عن البيئة الذي يحذر من الإفراط في التكييف ليس عدوا للمرضى. كلاهما يحاول حماية الحياة. أحدهما من حرارة الحاضر. والآخر من حرارة المستقبل.
ربما لهذا السبب يبدو مستشفى نانت الجديد رمزا لعصر كامل. إنه ليس مجرد مستشفى. إنه مختبر فلسفي. اختبار حضاري. سؤال مفتوح أمام أوروبا والعالم: كيف نحمي الإنسان من الحر دون أن نزيد حرارة الكوكب؟ كيف نجعل المستشفيات أكثر برودة دون أن نجعل الأرض أكثر سخونة؟ كيف نوفق بين حق المريض في الراحة وحق الأجيال القادمة في بيئة قابلة للحياة؟ لا أحد يملك الجواب الكامل. لكن المؤكد أن المستقبل لن يكون في العودة إلى الوراء. ولن يكون أيضا في الاعتماد الأعمى على أجهزة التكييف. سيكون في ذلك الطريق الثالث الذي يجمع بين عبقرية المهندس وإنسانية الطبيب وحكمة عالم المناخ.
وأنا أغادر المستشفى الباريسي، بقيت صورة واحدة عالقة في ذاكرتي. لم تكن صورة جهاز متطور. ولا صورة روبوت جراحي. ولا شاشة مليئة بالبيانات. كانت ممرضة تجلس قرب مريضة متعبة، تمسك يدها بصمت. في تلك اللحظة أدركت أن الحضارة لا تُقاس فقط بما تستطيع آلاتها أن تفعله. بل بما تستطيع قلوبها أن تتحمله. وقد يكون التحدي الأكبر أمام الطب الفرنسي في العقود القادمة ليس فقط أن يهزم المرض. بل أن يهزم الحر أيضا. لأن الهواء، في زمن الاحترار الكبير، لم يعد مجرد هواء. لقد أصبح جزءا من الكرامة الإنسانية.
📲 Partager sur WhatsApp