بقلم زكية لعروسي, باريس
لو بعث الجاحظ من قبره ذات صباح، وخرج يتمشى بين شوارع باريس وروان وليون ومرسيليا، لما قصد البرلمان ولا البورصة ولا قصور الجمهورية. كان سيتبع جرذا. نعم، جرذا واحدا. فالجاحظ، الذي قضى عمره ينصت إلى الحيوان أكثر مما ينصت كثير من الناس إلى البشر، كان يعرف أن الأمم لا تقرأ فقط من خطب ساساتها، بل أيضا من الكائنات التي تسكن ظلالها. وقد وقع لي، وأنا أتأمل خبرا صغيرا عن طفل عضّه جرذ في ساحة مدرسة بمدينة روان، أن سمعت ما لم يسمعه الصحافيون. سمعت الفئران تتكلم. ولست أدري إن كان الحرّ الشديد قد أذاب الحدود بين الواقع والخيال، أم أن الجرذان نفسها قررت أخيرا عقد مؤتمرها الصحافي الكبير. لكنّني أقسم أنني سمعت أحدها يقول: “أيّها السادة، نحن لسنا غزاة.” ثم توقف قليلا، ومسح شاربيه الطويلين بكبرياء، وأضاف: “أنتم الذين بنيتم مدنكم فوق بيوتنا.”
كان الجرذ المتحدث الرسمي باسم “المجلس الأعلى للفئران الأوروبية”. وقد بدا مثقّفا على نحو مقلق. قال: “منذ قرون وأنتم تعلنون انتصاركم على الطبيعة. هزمتم الأمراض، وبنيتم القطارات السريعة، وأرسلتم المركبات إلى الكواكب، وصنعتم هواتف تعرف عنكم أكثر مما تعرفه أمهاتكم.” ثم ابتسم. ابتسامة صغيرة تشبه الشق الذي يتركه السكين في التفاحة. وأضاف: “لكنّكم ما زلتم تفاجؤون كلما رأيتم فأرا.” وفي الحقيقة، كان الجرذ محقا إلى حد يثير الحرج. فالبشر يتحدثون كثيرا عن الذكاء الاصطناعي. لكنهم ما زالوا يخوضون حربا يومية ضد كائن صغير لا يتجاوز وزنه بضع مئات من الغرامات. يتباهون بناطحات السحاب. ثم يكتشفون أن جرذا واحدا يعيش تحتها منذ سنوات دون أن يدفع إيجارا. اقترب مني جرذ آخر. بدا أصغر سنا وأكثر وقاحة. قال وهو يضحك: “أنتم غريبون جدا.” سألته: “كيف؟” فأجاب: “حين ترتفع الحرارة تخرجون أنتم أيضا من بيوتكم إلى الحدائق والشواطئ والمقاهي.” ثم أشار إلى نفسه. “ونحن نفعل الشيء ذاته.” ثم أردف: “لكن عندما نفعلها تسمون ذلك غزوا.”
في تلك اللحظة تذكرت الجاحظ. ذلك الرجل الذي كان يرى في الحيوان مرآة ساخرة للإنسان. ولو كتب اليوم كتابا جديدا لربما سماه: “الحيوان والبلديات.” أو: “فضل الجرذان على مهندسي المدن.” فالفئران ليست مجرد حيوانات. إنها مؤرخون سريون. تعرف ما يرميه البشر أكثر مما يعرفون هم أنفسهم. وتعرف حجم التناقض بين صورة المدينة التي تظهر في الكتيبات السياحية وصورتها الحقيقية تحت الأرصفة. قال الجرذ الأكبر: “أنتم تتحدثون عن الثورة الرقمية.” ثم أطلق ضحكة قصيرة. “أمّا نحن فما زلنا نعيش على الثورة العضوية.” لم أفهم. فشرح الأمر قائلا: “كلما ازداد استهلاككم، ازداد طعامنا.” “كلما ازدادت نفاياتكم، ازدادت جمهوريتنا اتساعا.” “أنتم تبنون اقتصاد النمو.” “ونحن نحصد أرباحه.” كان كلامه يحمل منطق الطبيعة نفسها. فالمدينة الحديثة تحلم دائما بأنها منفصلة عن العالم الطبيعي. لكن الطبيعة لا تعترف بهذه الأحلام. إنها تعود من الشقوق. من المجاري. من الحدائق. من جذور الأشجار. ومن تحت أبواب المدارس. كأنها تقول للبشر: “شكرا على الإسمنت، لكنني لم أغادر.”
وحين وصل الحديث إلى حادثة الطفل في مدرسة روان، خيم الصمت على مجلس الفئران. ثم قال الجرذ العجوز بصوت أكثر هدوءا: “لا تسيئوا فهمنا.” “لسنا أبطالا في هذه القصة.” “ولا أنتم أشرارا.” “حين يقترب عالمنا من عالمكم أكثر مما ينبغي، تقع الحوادث.” ثم تنهد. وأضاف: “المشكلة ليست في الفأر وحده.” “المشكلة في المدينة التي نسيت أنها جزء من نظام حي أكبر منها.” عندها انتهى المؤتمر. واختفت الجرذان كما تظهر الأحلام وتختفي. لكن كلماتها بقيت عالقة في رأسي. لقد اعتقد الإنسان الحديث أنه انتصر نهائيا على الطبيعة. بنى المدن الذكية. وصنع الخوارزميات. وأدار العالم عبر الأقمار الصناعية. لكنه ما زال، بين الحين والآخر، يكتشف أن جرذا صغيرا قادر على تذكيره بحقيقة قديمة جدا: التطور لا يلغي الطبيعة. إنه فقط يجعل عودتها أكثر مفاجأة. ولعل أعظم سخرية في القرن الحادي والعشرين أن الإنسان الذي يطمح إلى استعمار المريخ ما زال يعقد اجتماعات طارئة بسبب فأر خرج يتمشى تحت شمس الصيف. ولو كان الجاحظ بيننا اليوم، لأغلق دفتر ملاحظاته، وابتسم ابتسامته الماكرة، ثم كتب في آخر الصفحة: “حسب الإنسان أنه ملك المدينة. أما الفأر فلم يدخل في هذا الاتفاق.”
📲 Partager sur WhatsApp