الخنق الجوي وتحول السماء إلى ساحة حرب اقتصادية

مذكرة استراتيجية بقلم د. عبد الرحمن مكاوي

لم تعد العقوبات الأميركية على إيران مجرد قائمة طويلة من الأسماء والأرقام، ولا مجرد عقاب مالي يلاحق المصارف والشركات في الغرف المعتمة للاقتصاد العالمي. ما يحدث الآن أكثر تركيبًا: محاولة لتحويل السماء نفسها إلى أداة ضغط، وتحويل الطائرة من وسيلة نقل إلى عقدة يمكن خنقها عند أكثر من شريان في آن واحد. في 8 سبتمبر/أيلول، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية «OFAC»، استهداف 36 جهة مرتبطة بقطاع الطيران الإيراني، بينها 27 شركة طيران كانت خارج قوائم العقوبات الأميركية السابقة، إضافة إلى شبكات وشركات وسيطة تتهمها واشنطن بالمساعدة في توفير الطائرات والتكنولوجيا والخدمات المرتبطة بها. وربطت الخزانة هذه الإجراءات بما تسميه «Operation Economic Outcast»، معتبرة أن قطاع الطيران الإيراني يُستخدم في نقل أفراد وأسلحة وشحنات مرتبطة بالنظام والحرس الثوري.

المهم هنا ليس عدد الشركات التي أضيفت إلى القائمة، بل الهندسة التي تقف خلف القائمة. فالطائرة لا تطير بالعقوبة وحدها، ولا تتوقف بالعقوبة وحدها. إنها تحتاج إلى مطار، ووقود، وصيانة، وقطع غيار، وتأمين، ومناولة أرضية، وأنظمة دفع، وشبكات بيع، وممرات دولية، وأحيانًا إلى طائرة تحتوي على مكونات مصنعة في الولايات المتحدة أو مرتبطة بالنظام المالي الأميركي. وهنا يصبح العقاب أكثر ذكاءً من مجرد منع الطائرة من الهبوط. يمكن أن تترك الطائرة في السماء، ثم تمنع عنها الأرض. يمكن أن تسمح لها بامتلاك جناحين، ثم تجعل الصيانة مستحيلة. يمكن أن تسمح لشركة الطيران ببيع التذاكر، ثم تجعل النظام المالي الذي تمر عبره المدفوعات منطقة خطر. إنها حرب على سلسلة الطيران بأكملها، لا على الطائرة وحدها. وقد اتخذت واشنطن بالفعل خطوة قانونية ذات دلالة حين علّقت، في 8 سبتمبر، الترخيص العام J-1 الذي كان يجيز بعض المعاملات المتعلقة بإعادة تصدير الطائرات المدنية إلى إيران أثناء وجودها المؤقت، وأصدرت ترخيصًا آخر لتصفية بعض المعاملات التي كانت مسموحة سابقًا.

هنا تتغير طبيعة المعركة. فالطائرة الحديثة ليست قطعة معدنية مستقلة عن الاقتصاد العالمي؛ إنها اقتصاد طائر. محركها وقطعها وبرمجياتها وصيانتها وتأمينها ومطاراتها وشبكات دفعها موزعة على عشرات الدول. لذلك فإن العقوبة التي تستهدف عقدة واحدة تستطيع، نظريا، أن تتردد في الشبكة كلها. وهذه هي قوة العقوبات الثانوية تحديدا: أن لا تحتاج واشنطن إلى إغلاق كل المطارات أمام إيران بنفسها. يكفي أن تجعل بعض المشغلين الأجانب يحسبون ثمن الاقتراب. ومن هنا يبدأ التحول الأخطر: العقوبة تصبح قرارا تتخذه شركات لا علاقة مباشرة لها بالسياسة الأميركية، لأنها تخشى تكلفة النظام المالي الأميركي. وهذا ما يجعل الدولار، في هذه المعادلة، أكثر من عملة. إنه بنية تحتية. من يملك القدرة على حرمان مؤسسة من الوصول إلى النظام المالي الدولي يستطيع أحيانا أن يؤثر في قرارها التشغيلي دون أن يقترب من مدرج المطار. والنتيجة أن الطائرة الإيرانية قد لا تُمنع بقرار مباشر من التحليق، لكنها قد تواجه عالما يتقلص حولها: مطار أقل، وقود أصعب، خدمة أرضية أكثر مخاطرة، تأمين أكثر تعقيدا، وقطع غيار أكثر ندرة. وليس ذلك سيناريو نظريا بالكامل.

فماهان إير أعلنت تعليق رحلاتها إلى مسقط ابتداءً من 17 سبتمبر، وإلى إسطنبول وأنقرة وجورجيا اعتبارا من 21 سبتمبر، مع إرجاع القرارات إلى تعليمات السلطات الجوية المعنية. وجاءت هذه الخطوات بعد أيام من العقوبات الأميركية الجديدة. هنا تظهر المفارقة الكبرى. واشنطن لا تحتاج بالضرورة إلى إسقاط الطائرات. يكفي أن تجعل الطيران الإيراني غير قابل للاستدامة. وهذا أكثر هدوءا من الحرب، لكنه ليس بالضرورة أقل أثرا. فالطائرة التي لا تستطيع الحصول على قطع الغيار تصبح أصلا ثابتا مكلفا. والطائرة التي لا تجد تأمينًا كافيًا تتحول إلى مخاطرة. والطائرة التي تصل إلى مطار ولا تجد خدمات أرضية تتحول إلى عبء. وشركة الطيران التي لا تستطيع تسوية مدفوعاتها الدولية تصبح محاصرة حتى لو بقيت مدارجها مفتوحة. من هنا يمكن فهم العقوبات باعتبارها محاولة لبناء ما يشبه «الحصار الشبكي»: لا يُغلق باب واحد، بل تُغلق الأبواب التي تجعل الباب الأول ذا معنى. وهذا يفسر أيضا لماذا تبدو المعركة الجوية متصلة بالمعركة البحرية والمالية في آن واحد. فحين تتراجع قدرة بلد على استخدام موانئه وشبكات النقل الدولية، تصبح الطائرة أكثر أهمية لنقل الأشخاص والبضائع، لكن الضغط عليها في اللحظة نفسها يضيق مساحة المناورة أكثر. وتشير تقارير حديثة إلى تراجع كبير في حركة السفن في ميناء الشهيد رجائي، أحد أهم منافذ إيران التجارية، خلال فترة الحصار البحري.

غير أن هناك جانبا آخر لا ينبغي تجاهله: العقوبات لا تعمل في فراغ استراتيجي. إيران ليست جزيرة. ولديها علاقات وشبكات تجارية وسياسية مع دول لا تتبنى بالضرورة المقاربة الأميركية، وفي مقدمتها الصين وروسيا. وقد أظهرت تجارب العقوبات السابقة أن الاقتصاد المحاصر يبحث باستمرار عن مسارات بديلة: مقايضة، وسطاء، شبكات دفع خارج النظام التقليدي، إعادة توجيه للرحلات، وتأجير الطائرات عبر أطراف ثالثة. لذلك فالسؤال ليس ما إذا كان يمكن خنق قطاع الطيران الإيراني بالكامل. السؤال الأدق هو: كم ستكون كلفة إبقائه حيا؟ وهنا تكمن عبقرية العقوبات الحديثة وخطورتها في الوقت نفسه. إنها لا تحتاج دائما إلى تحقيق الصفر. يكفي أن ترفع تكلفة التشغيل إلى مستوى يجعل كل رحلة قرارا اقتصاديا مؤلما. وهذا يخلق نوعا جديدا من القوة: قوة لا تُقاس بعدد الطائرات التي أسقطتها، بل بعدد الطائرات التي أصبحت صعبة التشغيل. لكن لهذه الاستراتيجية حدا آخر. فالطيران المدني ليس الحرس الثوري.

وفي مقاعد الطائرات يوجد رجال أعمال وطلاب ومرضى وعائلات ومهاجرون، كما توجد مؤسسات وشركات وسلاسل توريد. وكلما اتسع الخنق من البنية العسكرية إلى البنية المدنية، أصبحت المسألة أكثر تعقيدا من مجرد معادلة بين واشنطن وطهران. وهنا يظهر السؤال الأخلاقي والاستراتيجي الذي لا يمكن حذفه من الحساب: كيف تضغط على بنية تستخدمها الدولة لأغراض عسكرية من دون أن تجعل المدنيين يدفعون ثمن المعركة نفسها؟ إنها المعضلة القديمة للعقوبات الاقتصادية، لكنها تحلق هذه المرة على ارتفاع عشرة آلاف متر. لقد تغيرت طبيعة الحرب. لم يعد من الضروري أن تعبر الدبابات الحدود. يمكن أن تبدأ الحرب من شاشة حاسوب في وزارة الخزانة، ومن سطر في قائمة عقوبات، ومن بنك يخشى التعامل، ومن شركة تأمين ترفض تغطية طائرة، ومن مطار يعيد حساب المخاطر.

وهكذا تتحول الجغرافيا إلى شبكة. وتتحول العقوبة إلى سلاح عابر للحدود. وتتحول السماء، التي كانت تاريخيًا فضاءً للاتصال، إلى فضاء للمنع. الخطر الحقيقي إذن ليس في توقف بعض الرحلات. الخطر في أن تصبح إيران أمام اقتصاد عالمي يمكنه أن يقول لها، في كل مرحلة من مراحل الرحلة: يمكنك امتلاك الطائرة، لكن لا يمكنك شراء القطعة. يمكنك شراء القطعة، لكن لا يمكنك تأمينها. يمكنك تأمينها، لكن لا يمكنك الحصول على الخدمة. يمكنك الوصول إلى المطار، لكن ليس بالضرورة أن تجد من يجرؤ على خدمتك. ويمكنك بيع التذكرة، لكن عليك أن تسأل أولا: عبر أي نظام مالي ستصل قيمتها؟ هذه ليست عقوبة واحدة. إنها هندسة اختناق. ولهذا فإن معركة الطيران الإيراني قد تكون نموذجا لما ستبدو عليه حروب القرن الحادي والعشرين: أقل صخبًا من الحرب التقليدية، وأكثر اعتمادًا على الشبكات؛ أقل ظهورًا على شاشات التلفزيون، وأكثر حضورًا في الحسابات المصرفية، وشركات التأمين، وسلاسل الإمداد، ومدارج المطارات. الحرب الاقتصادية لا تحتاج دائما إلى إسقاط طائرة. أحيانا يكفي أن تجعل العالم كله يتردد قبل أن يسمح لها بالهبوط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *