حين يوبّخ البابا الوحوش التي تسكن الإنسان

بقلم زكية لعروسي, باريس

هناك جمل لا تقال لتملأ الهواء، بل لتوقظ التاريخ. وحين قال البابا ليو الرابع عشر«لقد منحنا الخالق العقل والإرادة لنحل النزاعات كبشر، لا كوحوش، حتى وإن كانت هذه الوحوش تحمل أسلحة فائقة التكنولوجيا»، لم يكن يوجّه خطابا إلى المؤمنين وحدهم، بل كان يخاطب الضمير الإنساني في عصرٍ أصبحت فيه الآلة أكثر تطورًا من الأخلاق، وأصبحت سرعة الصاروخ تتجاوز سرعة الحكمة. إنها ليست عبارة دينية فحسب؛ إنها تشريحٌ فلسفي للحضارة الحديثة. فالوحش الذي يتحدث عنه البابا لا يعيش في الغابات. إنه يعيش أحيانا في غرف القرار. منذ أن قتل قابيل هابيل، والإنسان يخترع أشكالًا جديدة للحرب، لكنه لم يخترع بعد وسيلة نهائية للسلام. لقد تغيّرت الأسلحة، لكن الغريزة بقيت. استبدل الإنسان الحجر بالطائرة المسيّرة، والسيف بالصاروخ الفرط صوتي، لكنه لم يستبدل الخوف بالحكمة، ولا القوة بالعدل. وهنا تكمن المفارقة الكبرى. كلما تقدمت التكنولوجيا، ازداد السؤال الأخلاقي إلحاحا.

في الفلسفة اليونانية، لم يكن الإنسان يعرّف بما يملكه من قوة، بل بما يملكه من لوغوس؛ أي العقل والكلمة والقدرة على البرهان. كان سقراط يعتقد أن الشر ثمرة الجهل، وأن الإنسان إذا عرف الخير حقًا فلن يختار نقيضه. أما أفلاطون، فرأى أن المدينة العادلة لا يحكمها الأقوى، بل الأكثر حكمة، ولذلك جعل الفيلسوف ملكا، لا لأن الفيلسوف معصوم، بل لأنه أقل الناس افتتانا بالقوة. أما أرسطو، فكان يرى أن الإنسان «حيوان عاقل ومدني»، وأن السياسة في أصلها ليست فن السيطرة، بل فن تحقيق الخير العام. فإذا تحولت إلى إدارة للخوف والعنف، فقدت معناها. كأنّ البابا، من دون أن يستحضر هؤلاء الفلاسفة صراحة، يعيد إحياء سؤالهم القديم: ما الذي يجعل الإنسان إنسانا؟

وفي التراث العربي الإسلامي، نجد صدىً لهذا السؤال في ثوب آخر. كتب الفارابي في المدينة الفاضلة أن العمران لا يقوم بالقهر، بل بالتعاون، وأن السلطة تفقد مشروعيتها حين تنفصل عن الفضيلة. أما ابن رشد، الذي أعاد قراءة أرسطو، فقد دافع عن العقل بوصفه الطريق إلى فهم الإنسان والعالم، ورأى أن الحوار ليس ضعفا، بل أرقى أشكال القوة. وجاء ابن خلدون ليحذر من أن العصبية إذا انفلتت من ميزان العقل تحولت إلى دورة لا تنتهي من الغلبة والانتقام، فتأكل الدول من داخلها قبل أن يهزمها أعداؤها. وفي الأدب العربي، يختصر المتنبي المأساة بقوله: “والظلم من شيم النفوس، فإن تجد ذا عفة فلعلّة لا يظلم.” لكن الحكمة العربية لم تستسلم لهذا التشاؤم، بل جعلت العقل والعدل والتسامح وسائل لترويض تلك الغريزة.

سياسيا، لا تبدو كلمات البابا مجرد وعظ أخلاقي. إنها نقد ضمني لعالم مكانة الدول فيه بعدد الرؤوس النووية، وحجم الإنفاق العسكري، لا بعدد المدارس والمستشفيات التي تبنيها. لقد أصبح السلام، في كثير من الأحيان، مشروعا مؤجلا، بينما أصبحت الحرب صناعة مزدهرة. والمفارقة أن البشرية تنفق على وسائل القتل أكثر مما تنفق على منع أسبابه. إن أخطر ما في الحروب الحديثة أنها لم تعد تدار من ساحات القتال فقط، بل من الشاشات، والخوارزميات، وغرف التحكم البعيدة، حيث يصبح الموت رقمًا على شاشة، ويختفي وجه الضحية خلف إحداثيات رقمية. وهنا تحديدا يصبح تحذير البابا أكثر راهنية: أن تمتلك ذكاء اصطناعيا لا يعني أنك تمتلك حكمة إنسانية. اجتماعيا، تتجاوز الحرب حدود الجبهات. إنها تُفسد اللغة نفسها. حين يعتاد الأطفال سماع صفارات الإنذار أكثر من أصوات المدارس، وحين تتحول صور الدمار إلى مشهد يومي في نشرات الأخبار، يبدأ العنف في التطبع داخل الوعي الجمعي. ولا يعود السؤال: كيف نمنع الحرب؟ بل: كيف نمنع الإنسان من الاعتياد عليها؟ لكن هل يمكن أن تتحول رؤية البابا إلى واقع؟ ليس إذا بقيت خطبة في كاتدرائية. يمكن أن تصبح مشروعا عالميا إذا ترجمت إلى سياسات وثقافات ومؤسسات. فالحكمة الأخلاقية تحتاج إلى هندسة عملية. وهذا يقتضي:

– ترسيخ التربية على الحوار والتفكير النقدي منذ المدرسة.

– تعزيز القانون الدولي والمؤسسات القادرة على الوساطة ومنع التصعيد.

– إخضاع تطوير التقنيات العسكرية لنقاشات أخلاقية وقانونية أوسع.

– الاستثمار في العدالة الاجتماعية، لأن التهميش والفقر يغذيان دوائر العنف.

– تشجيع الحوار بين الأديان والثقافات بوصفه رصيدا للسلام لا مجرد مجاملة دبلوماسية.

السلام لا يبنى بالنيات الحسنة وحدها، بل ببنية مؤسساتية وثقافة سياسية ترى في الكرامة الإنسانية مبدأً غير قابل للمساومة. ربما كان هيراقليطس محقا حين قال إن الصراع جزء من حركة العالم. وربما كان ابن عربي أقرب إلى أفق آخر حين كتب أن القلب يتسع لكل الصور إذا تحرر من التعصب. وبين هذين الأفقين يقف الإنسان، يحمل في داخله الوحش والحكيم معا. لم يكن البابا يهاجم التكنولوجيا. كان يحذر من أن تتطور أدواتنا أسرع من ضمائرنا. فالخطر ليس في الصاروخ. ولا في الذكاء الاصطناعي. ولا في الطائرة المسيّرة. الخطر الحقيقي أن يبقى الإنسان بدائيا في أخلاقه، بينما يصبح كونيا في قدرته على التدمير. ولعل الحضارة لا تُقاس بما تستطيع أن تخترعه من آلات، بل بما تستطيع أن تمنعه من حروب. فإذا نجح الإنسان في ترويض الوحش الذي يسكن داخله، فلن يكون السلام معجزة سياسية فحسب، بل سيكون أعظم إنجاز فلسفي عرفته البشرية.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *