مع رائحة قرنفل وموسيقى زلزال

بقلم: عبد الله شوكا, كاتب وصحافي – المغرب

مع حلول أيام عيد الأضحى في الزمن الحاضر، وما يرافقها من غلاء فاحش في أسعار الأضاحي يرهق جيوب المواطنين بلا رحمة ولا شفقة، وفي ظل غياب المراقبة الصارمة التي يفترض أن تضطلع بها الحكومة لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، دعونا نعود بذاكرتنا إلى عيد الأضحى في الزمن الجميل، إلى أيام كانت الفرحة تسبق المسؤولية، وكانت البساطة عنوان الحياة. أتذكر أنني كنت يافعا لا يشغل بالي شيء من أعباء العيد ولا مسؤولية اقتناء الأضحية أو ذبحها. كنت أراقب والدي، رحمه الله، وهو يتهيأ لذبح الأضحية، فيما كانت والدتي، رحمها الله، تعد مائدة العيد وتشعل المجمر استعدادا لشواء “المطارك”. وبحكم الدلال الذي كنت أحظى به داخل الأسرة، كنت أختار مطارك القلب والكبد، وأترك مطارك الرئة، وهي عادة ما زلت متمسكا بها إلى اليوم.

كنت أعيش طفولتي بعيدا عن هموم الحياة، لا أعرف شيئا عن أسواق الماشية ولا عن أثمان الخرفان. وكم أشتاق إلى ذلك الزمن الجميل، ولو كان الأمر بيدي لاخترت أن أبقى تحت رعاية والدي، بلا مسؤوليات ولا أعباء، بعيدا عما نعيشه اليوم من غلاء وتكاليف أثقلت كاهل الجميع بعد رحيل والدينا، رحمهما الله. وأعترف أنني كبرت مدلّلا، فلم أتعلم ذبح الأضحية ولا سلخها، كما أنّ والدي، رحمه الله، لم يحرص على تعليمي تلك الطقوس. ولهذا، كلّما اقترب عيد الأضحى في الوقت الحاضر، أشعر بشيء من الارتباك، وأحاول أن أبدو أمام الجيران وكأنني أجيد الذبح والسليخ، بينما زوجتي تعلم الحقيقة كاملة.

ولا أدري لماذا، لكن كلّما أقبل عيد الأضحى، حملتني الذاكرة إلى طفولتي في الدوار. كنت أستيقظ مبكّرا وأنا أسمع ثغاء الخروف في الإسطبل، بينما يجتمع شيوخ الدّوار في المسجد، وكانت أولى مهامهم إصلاح ذات البين بين المتخاصمين. وكانت أغلب الخصومات بسيطة، كأن تدخل بقرة أحدهم إلى أرض جاره، أو يقع خلاف حول حدود أحد الحقول. وبعد انتهاء الصّلح، ينصرف كلّ رجل إلى خيمته حاملا السكين استعدادا لنحر الأضحية. وكنا نحن أطفال الدوار ننتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر. وبعد الذبح، كنت أبتعد عن مشهد السلخ، وأدخل إلى الغرفة، أستلقي وأتابع عبر الراديو وصلة غنائية طويلة لأم كلثوم، إلى أن ينادوا علي لتناول الشواء.

ومن أجمل ما بقي راسخا في ذاكرتي، إقبال والدتي، رحمها الله، وأخواتي، شأنهن شأن نساء الدوار، على طلاء رؤوسهن بالقرنفل قبل الذبح. وكانت النسوة يرتدين أثوابا بيضاء، فتظهر آثار القرنفل على رؤوسهن، فيما تعبق خيمتنا برائحته الزكية التي كانت تشم من بعيد. وبعد تناول الشواء، كانت نساء الدوار يتوجهن إلى بئر وسط الدوار يعرف بـ”البئر المالح” بسبب ملوحة مياهه، حيث يغسلن الرأس والكرعين وسط أجواء من الفرح وتبادل الأحاديث والسؤال عن أحوال الدوارة والفاد. وعند حلول المساء، كنا نتناول لحم الرأس والكرعين، ثم نخرج نحن الأطفال إلى ساحة الدوار، حيث نجتمع مع الكبار في جولة احتفالية على خيام السكان لجمع النقود والبيض، فيما كان يسمى بـ”السبيع”. وكان أحد الرجال يرتدي لباس امرأة حامل، بينما يضع آخر على وجهه ضركة من شجر الصبار مثقوبة عند العينين والأنف، ويثبت لحية بيضاء من صوف بطانة الخروف، فتجوب المجموعة خيام الدوار مرددة الأهازيج والأغاني الشعبية.

وكلّما دخلنا خيمة، كنا نمر من تحت “سقيطة” الأضحية المعلقة عند الباب، نلمسها ونردد: “تبارك الله”. ثم تبدأ المجموعة في الدق على أبواب الخيام لإيقاظ أهلها، وكثيرا ما كان أصحاب البيوت يخرجون إلينا بملابس النوم. وبعد أداء عيطة شعبية خاصة بكل أسرة، يقدم لنا أهل الخيمة بعض الدراهم أو البيض، قبل أن يتقدم المقدم بالدعاء وقراءة الفاتحة لأصحاب البيت. وفي صباح ثاني أيام العيد، كان أهل الدوّار يحملون بقايا عظام الرأس والكرعين، التي كانت تعرف باسم “بوهروس”، ويلقونها في بئر جاف قريب من الدوار، فتظل العظام متراكمة فيه أشهرا طويلة. أما بنات الدوار، فكن يحتفظن بعظم ركبة الخروف، يلبسنه ثوبا ويصبغن رأسه بالحناء استعدادا للعبة عاشوراء. وكانت كل فتاة تنام و”عيشورة” إلى جانبها، ثم في يوم زمزم، بعد ليلة عاشوراء، ينزعن عنها الثوب ويتوجهن لدفن العظم وسط دموع ومراسيم تشبه جنازة حقيقية، مع إعداد قبر صغير خصيصا له.

ومن الذكريات التي لا يمكن أن تمحى من ذاكرتي، وأنا في العاشرة من عمري، ما وقع يوم عيد الأضحى سنة 1969. استيقظنا على صباح عادي، لكن السماء سرعان ما أمطرت بغزارة، وكانت الأمطار تترافق مع أدخنة تتصاعد من الأرض في مشهد غريب لم نألفه. ورغم ذلك، ذبح والدي الأضحية وسط المطر، وقضينا يوم العيد كغيره من الأعياد. لكن مع حلول الليل، أيقظني صوت رهيب يشبه هدير شاحنة ضخمة أو طائرة تحلق على علو منخفض. لم أفهم ما يحدث، وحين فتحت عيني رأيت والدي ووالدتي واقفين أمام الغرفة يرددان الشهادة: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله”. ثم أسرعا بإيقاظنا وأمرانا بمغادرة الجدران والاحتماء في العراء. وبحكم موقع الدوار بين الهضاب والجبال، كنا نسمع صوت الزلزال وهو يبتعد عنا، متموجا بين المرتفعات حتى اختفى. طوال ثلاث ليال بعد ذلك الزلزال، نمنا جميعا تحت عشة كبيرة داخل خيمتنا، خوفا من أن يعود الزلزال مرة أخرى. تلك بعض من ذكريات عيد الأضحى في طفولتي بالبادية، حاولت أن ألخصها كما عشتها بكل تفاصيلها، راجيا أن أكون قد وفقت في نقل صورة صادقة عن تلك الأيام التي لا تزال تسكن الذاكرة. واليوم، كلما أطل عيد الأضحى، أجد نفسي أردد قول المتنبي: بأي حال عدت يا عيد؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *