بقلم: عبد الله شوكا, كاتب وصحافي – المغرب
ما أجمل أن نستعيد ذكريات الأمس البعيد، فهي الملاذ الذي يخفف عنا شيئا من أعباء الحاضر وقسوة المعيشة، ويأخذنا إلى زمن كانت فيه البساطة عنوان الحياة، وكانت السعادة تولد من أصغر التفاصيل. تعود بي الذاكرة إلى سنوات الصبا، حين كنت طفلا ألهو بين أزقة الدوار في حقبة الستينيات وبداية السبعينيات، يوم كان العطار يجوب الدواوير على ظهر دابته، حاملا بين شواريها بضائع الزمن الجميل، ومتاع الحياة البسيطة.
وما إن تطأ قدماه الدوار، حتى يصدح بصوته المميز مرددا عبارة طالما أثارت فضولنا ونحن أطفال: “الهارياط… الهارياط… الهارياط… هيررر…”، ثم يبدأ في تعداد ما يحمله من سلع قائلا: “الحنة بالشراوط… المطلية بالشراوط… الحركوس بالشراوط… الكحل بالشراوط… المراية بالشراوط…”. ولم نكن يومها ندرك معنى كلمة “الشراوط”، حتى علمنا لاحقا أنها كانت وسيلة مقايضة شائعة، إذ كان العطار يستبدل بضاعته بأطراف الأثواب البالية والممزقة التي تحتفظ بها نساء الدواوير، في مشهد يعكس بساطة الحياة وروح التكافل التي كانت سائدة آنذاك.

أما نحن الأطفال، فلم يكن العطار يتعامل معنا إلا بالنقود، فكنا نقدم له الريال الأبيض الدائري لنقتني منه ألعابا بسيطة، مثل الفرفارة والمسكة. وما إن نحصل على الفرفارة حتى ننطلق مسرعين عكس اتجاه الريح، لنشاهدها تدور في الهواء، فنغرق في فرحة بريئة لا تضاهيها متعة. وكانت نساء الدواوير يقتنين من العطار أدوات الزينة التقليدية، كالحنة والكحل والمطلية والحركوس، فتتزين بها أمهاتنا فيظهرن بجمال طبيعي أخاذ، بعيد عن مظاهر التكلف. وكان ذلك الجمال الصادق أكثر سحرا من كثير من مستحضرات التجميل الحديثة، التي امتلأت بالمواد الكيميائية الحافظة، وأصبحت باهظة الثمن، فضلا عما قد تسببه من أضرار صحية.
لقد كانت أيام العطار صفحة مضيئة من ذاكرة القرية المغربية، ورمزا لزمن البساطة والألفة والبراءة. رحل ذلك الزمن بما حمله من صور ومواقف، لكنه ظل راسخا في الوجدان، كلما استدعته الذاكرة عاد محملا بعبق الماضي، ليذكرنا بأن أجمل ما في الحياة ليس كثرة ما نملك، بل صدق ما عشناه من لحظات لا يطويها النسيان.
📲 Partager sur WhatsApp
العبرة ليس في وفرة الأشياء، بل معنى وقيمة العالم الذي تحمله، وهو ما حافظت على طروسه الذاكرة.
لو حفرت بدرجة ما الذاكرة الدلالية لمعجم العطار، هذا الكائن الذي لا يحمل مجرد أشياء بل عالم نمط في الحياة وكيفية للانفتاح على الوجود في القرية، المجال الذي كانت فيه المرأة فاعلة بكل جدية وإصرار إلى أن يأتي العطار ليخلق فسحة أمل وجمالية….