هرمز بين حافة الهاوية ورقعة الشطرنج

نظرية الألعاب في تفسير الصراع الأمريكي-الإيراني على مسرح العمليات غير المتماثل

بقلم: عبد الرحمن مكاوي, باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية


لم تعد الحروب الحديثة تحسم بكثافة النيران وحدها، ولا بحجم الأساطيل، بل أصبحت تدار بمنطق أكثر تعقيدا؛ منطق يحكمه الحساب العقلاني للمكاسب والخسائر، وتضبطه قواعد نظرية الألعاب، حيث لا ينتصر من يمتلك القوة الأكبر بالضرورة، وإنما من يحسن قراءة حسابات خصمه ويجبره على اتخاذ القرار الذي يخدم مصالحه. وفي هذا الإطار، يشكل الصراع الأمريكي-الإيراني في الخليج العربي، ولا سيما في مضيق هرمز، نموذجا متقدما لحرب غير متماثلة، تتداخل فيها القوة العسكرية مع الاقتصاد، والدبلوماسية مع الردع، والإشارات السياسية مع العمليات العسكرية المحدودة.

استراتيجية حافة الهاوية… عندما يصبح التراجع انتصارا

تتحرك الولايات المتحدة وإيران وفق منطق المناورة على حافة الهاوية (Brinkmanship)؛ أي دفع الأزمة إلى أقصى درجات التوتر دون الانزلاق إلى حرب شاملة، أملا في أن يتراجع الطرف الآخر أولا. فالولايات المتحدة تمتلك تفوقا عسكريا وتقنيا وبحريا ساحقا، لكنها تدرك أن أي حرب مفتوحة في الخليج ستنعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، وترفع أسعار النفط، وتغذي موجات التضخم، بما يفرض أثمانا سياسية واقتصادية باهظة. أما إيران، وعلى الرغم من محدودية قدراتها التقليدية مقارنة بالقوة الأمريكية، فقد بنت عقيدتها العسكرية على زعزعة الاستقرار منخفضة الكلفة، معتمدة على الزوارق السريعة، والطائرات المسيّرة، والصواريخ، والوكلاء الإقليميين، والحرب السيبرانية. غير أن هذه الورقة ليست بلا حدود. فالاقتصاد الإيراني، المثقل بالعقوبات، لا يحتمل مواجهة طويلة، وأي تعطيل دائم للملاحة أو تشديد إضافي للعقوبات قد يدفع القوى الاقتصادية والتجارية الداخلية إلى ممارسة ضغوط هائلة على صانع القرار. وهكذا، يمتلك كل طرف عنصر قوة، لكنه يحمل في الوقت ذاته نقطة ضعف استراتيجية تمنعه من الذهاب بعيدا في التصعيد.

كيف نفك شيفرة هذا الصراع؟

لا تقرأ الأزمة في الخليج من خلال عدد الصواريخ أو السفن، بل من خلال لغة الإشارات. في نظرية الألعاب يعرف ذلك بمفهوم التأشير (Signaling)؛ حيث لا تكون الضربات المحدودة أو التحليقات الاستراتيجية أعمالا قتالية فحسب، بل رسائل مشفرة تهدف إلى اختبار إرادة الخصم وقياس حدود رد فعله. فالهجمات المحدودة التي تنفذها إيران أو حلفاؤها ليست بالضرورة مقدمة لحرب شاملة، كما أن تحليق القاذفات الاستراتيجية أو تحريك حاملات الطائرات الأمريكية لا يعني بالضرورة أن ساعة الحرب قد حانت. إنها لغة تفاوض بالنار. ومنذ منتصف يونيو، ترسخت، وفق مراقبين، قاعدة غير مكتوبة: ضربات محدودة تقابلها ضربات محدودة. إنها شيفرة الردع المتبادل، التي تمنع الانزلاق إلى مواجهة لا يرغب فيها أي من الطرفين.

كلفة الخروج… مفتاح القرار

في نظرية الألعاب، لا يحسم الصراع عندما تتغير موازين القوة، بل عندما تصبح كلفة الاستمرار أعلى من كلفة التراجع. بالنسبة لإيران، فإن استمرار التوتر بما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري وتشديد العقوبات قد يفاقم الضغوط الاقتصادية الداخلية ويقوض توازنات السوق الوطنية. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن أي تصعيد واسع قد ينعكس على أسعار النفط والاقتصاد العالمي، مع ما يحمله ذلك من تداعيات سياسية داخلية. لذلك، لا يراقب كل طرف قدرات خصمه العسكرية فحسب، بل يحسب أيضا الحد الأقصى الذي يستطيع تحمله قبل أن يصبح التراجع أقل كلفة من المواجهة.

الوسيط… اللاعب الذي يغيّر قواعد اللعبة

تعلمنا نظرية الألعاب أن إدخال لاعب ثالث يمكن أن يغيّر طبيعة الصراع جذريا. فالوسيط لا يوقف النزاع فقط، بل يمنح الأطراف مخرجًا يحفظ ماء الوجه، ويحول لعبة الصراع الصفري إلى مساحة للتسويات. وفي هذا السياق، تؤدي الوساطات الإقليمية والدولية دورًا محوريًا في إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، وتوفير مخارج سياسية تسمح لكل طرف بتقديم التنازل على أنه إنجاز، لا هزيمة. وفي كثير من الأحيان، تكون الدبلوماسية الهادئة أكثر تأثيرًا من حاملات الطائرات.

السمعة… رأس المال الاستراتيجي

الصراع بين واشنطن وطهران ليس مواجهة عابرة، بل لعبة ممتدة عبر عقود. وفي الألعاب المتكررة، تصبح السمعة عنصرا حاسمًا في صناعة القرار. فالاستراتيجية الأكثر استقرارا هي ما يعرف بـ “العين بالعين” (Tit for Tat)؛ أي الرد بالمثل، دون إفراط أو تفريط. هذه المقاربة تبعث برسالة واضحة: الرد سيكون حتميا، لكنه سيظل محسوبا. وهذا بالضبط ما يمنع التصعيد من التحول إلى حرب شاملة.

الالتزام المصدق… الردع عبر إظهار الجدية

حين تنشر الولايات المتحدة حاملة طائرات، أو تجري إيران تجربة صاروخية، فإن الهدف لا يقتصر على استعراض القوة. إنه إعلان عن التزام مصدّق؛ أي رسالة تقول للخصم إن التراجع لن يكون سهلًا أو بلا كلفة. والمفارقة أن هذا النوع من الالتزام لا يزيد احتمالات الحرب، بل قد يقللها، لأنه يجعل حسابات الطرف الآخر أكثر دقة، ويعزز الردع المتبادل.

تغيير قواعد المكسب

الاستراتيجية الأذكى ليست في مضاعفة القوة، بل في تغيير معادلة الربح والخسارة. فإذا أصبح الحفاظ على حرية الملاحة يحقق لإيران مكاسب اقتصادية وسياسية أكبر من إغلاق مضيق هرمز، فإن قيمة ورقة التهديد تتراجع تلقائيا. وهنا تكمن عبقرية التفاوض: ليس في انتزاع التنازلات بالقوة، بل في إعادة صياغة المصالح بحيث يصبح التعاون أكثر ربحا من المواجهة.

الشطرنج… لا الحرب

يشبه المشهد في الخليج رقعة شطرنج أكثر مما يشبه ساحة معركة. لا يسعى أي طرف إلى القضاء على خصمه، بل إلى تضييق خياراته، ودفعه إلى التحرك داخل المساحات التي رسمها له. فالولايات المتحدة تريد ضمان حرية الملاحة، والحد من القدرات النووية الإيرانية، وتعزيز منظومة الردع. وإيران تسعى إلى تخفيف العقوبات، والحفاظ على هامش من برنامجها النووي، وتثبيت مكانتها الإقليمية. وبين هذين الهدفين، تتشكل نقطة توازن هشة، قوامها الضربات المحدودة، والردود المحسوبة، والوساطات الهادئة. إن السؤال الحقيقي ليس: من يسيطر على مضيق هرمز؟ بل: من يستطيع تحمل كلفة التصعيد أكثر من الآخر؟ في عالم الصراعات غير المتماثلة، القوة هي قدرة الدولة على إدارة المخاطر، وقراءة نوايا الخصوم، والتحكم في كلفة قراراتها. وهنا تكمن الحقيقة الاستراتيجية الكبرى: المنتصر ليس من يصل أولًا إلى حافة الهاوية، بل من يجعل خصمه يدرك أن القفز سيكون أكثر كلفة من التراجع.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *