الجنازة بوصفها أداة استراتيجية

بقلم: عبد الرحمن مكاوي, باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية-باريس

في الشرق الأوسط، لا تُدفن الشخصيات الكبرى مع أجسادها، بل تستمر في تشكيل الجغرافيا السياسية حتى بعد رحيلها. وفي إيران تحديدًا، لم تكن جنازات القادة الكبار يومًا مجرد مراسم دينية أو طقوس وداع، بل تحولت في محطات مفصلية إلى لحظات لإعادة إنتاج الشرعية، وإعادة ترتيب موازين القوة، وإرسال رسائل استراتيجية إلى الداخل والخارج. ومن هذا المنظور، فإن أي جنازة لمرشد الثورة ليست مجرد حدث بروتوكولي، بل يمكن أن تتحول إلى منصة سياسية ذات وظائف متعددة، تُستخدم لإدارة التوقيت، وإعادة توزيع الضغوط، وصناعة هوامش مناورة في ساحات الصراع الإقليمي.

سياسة الحداد… عندما تتحول العاطفة إلى أداة ردع

في الأدبيات الاستراتيجية، لا تُدار الصراعات بالقوة العسكرية وحدها، وإنما أيضًا بإدارة الإدراك والرمزية. وهنا يبرز ما يمكن تسميته بـ”سياسة العاطفة”، حيث تتحول مشاعر الحداد الجماعي إلى مورد سياسي يمنح صانع القرار مساحة زمنية لإعادة التموضع دون أن يبدو في موقع التراجع. إعلان حداد وطني لعدة أيام قد ينتج، عمليا، فترة تهدئة غير معلنة. فمن المرجح أن تتجنب إيران خلال تلك المرحلة أي احتكاكات بحرية كبيرة في مضيق هرمز، ليس بوصفه تنازلا، وإنما باعتباره احتراما للمناسبة الوطنية. وفي المقابل، قد تفضّل الولايات المتحدة أيضًا خفض مستوى الاحتكاك لتجنب منح طهران فرصة لتصوير أي تصعيد باعتباره استهدافا لدولة منشغلة بتشييع قائدها. وهكذا، تنشأ هدنة مؤقتة دون اتفاق، وينتج الطرفان تهدئة واقعية دون أن يقدّم أي منهما تنازلا سياسيا أو دبلوماسيا.

هرمز… كسب الوقت دون إعلان التراجع

في النزاعات الممتدة، يصبح الزمن أحد أهم الموارد الاستراتيجية. لذلك يمكن أن تتحول مراسم التشييع إلى مبرر مقبول لتأجيل أي استحقاقات تفاوضية أو التزامات حساسة. ومن خلال قنوات الوساطة التقليدية، قد تُنقل رسائل مفادها أن الظروف الداخلية لا تسمح باتخاذ قرارات كبرى خلال فترة الحداد. وفي هذه الحالة، لا يكون الهدف تعطيل التفاوض بقدر ما يكون إعادة ضبط الإيقاع السياسي وحفظ ماء الوجه، وهي آلية معروفة في إدارة الأزمات الدولية. بهذا المعنى، يتحول الحداد إلى أداة لكسب الوقت أكثر منه إعلانا لتغيير المواقف.

لبنان… الصورة بدل الصاروخ

على الجبهة اللبنانية، قد تؤدي الجنازة وظيفة مختلفة. فالمشهد الجماهيري الضخم، والحضور الشعبي، والرمزية العقائدية، كلها يمكن أن تتحول إلى رسالة ردع بصرية. فبدل إطلاق صاروخ، قد يكون استعراض التماسك التنظيمي أكثر فاعلية في إيصال رسالة مفادها أن المؤسسة السياسية والأمنية لا تزال متماسكة رغم فقدان قائدها. وفي مثل هذه الظروف، قد يُفضَّل تأجيل أي عمليات عسكرية كبيرة، ليس بدافع التهدئة الدائمة، وإنما لإتاحة المجال لإعادة ترتيب مراكز القرار وسلاسل القيادة، مع الحفاظ على صورة الصلابة أمام الخصوم. إنها عملية استبدال للقوة الخشنة بقوة الصورة.

إعادة إنتاج السردية

الجنازات الكبرى لا تودّع الماضي فقط؛ بل تعيد كتابة المستقبل. فالخطاب الرسمي يسعى عادة إلى ربط القائد الراحل باستمرارية المشروع السياسي، بحيث يصبح إرثه عنصرا تعبويا يحصّن السياسات القائمة ويمنحها بعدًا رمزيا جديدا. وفي هذا السياق، يمكن أن تصبح أي مطالب خارجية بتغيير سياسات إيران أو حلفائها أكثر حساسية سياسيا في المدى القصير، إذ تقدَّم داخليا باعتبارها ضغطا يمارس في لحظة وجدانية استثنائية.

نظرية الألعاب… الالتزام بالعاطفة

في لغة نظرية الألعاب، يمكن فهم هذه المقاربة باعتبارها نوعا من “الالتزام المقيد” (Constrained Commitment). فالحداد يخلق قيدا سياسيا ورمزيا يمنح القيادة تفسيرًا مقبولا لعدم التصعيد، دون أن يقرأ ذلك باعتباره تراجعا استراتيجيا. وتكمن المكاسب المحتملة في ثلاثة مستويات:

– تخفيض كلفة الامتناع المؤقت عن التصعيد.

– اختبار رد فعل الخصوم خلال فترة حساسة سياسيا وإعلاميا.

– تعزيز التماسك الداخلي عبر تعبئة المشاعر الوطنية والدينية.

لكن هذا النوع من الأدوات يظل محدودا زمنيا. فكلّما ابتعدت لحظة الجنازة، تراجعت قدرتها على تبرير الجمود، وعادت حسابات الرّدع التقليدية لتفرض نفسها من جديد.

الشطرنج الجيوسياسي

في لعبة الشطرنج، ليست كل النقلة هدفها الهجوم؛ أحيانا تكون قيمتها في شراء الوقت. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الجنازة بوصفها نقلة مجانية تمنح النظام فرصة لإرجاء تحريك قطعه الأكثر حساسية، سواء في مضيق هرمز أو على الجبهة اللبنانية، بينما يستمر تبادل الرسائل غير المباشرة مع الخصوم. وفي المقابل، قد يفضّل الطرف الآخر الرد بإشارات قوة محسوبة – مثل تعزيز الانتشار العسكري أو تكثيف الاستطلاع- بدل الانتقال مباشرة إلى التصعيد، حفاظا على هامش المناورة وتجنب منح خصمه مكاسب دعائية.

في الشرق الأوسط، كثيرا ما تتحول الرموز إلى أدوات قوة لا تقل تأثيرا عن حاملات الطائرات أو الصواريخ بعيدة المدى. والجنازات السياسية الكبرى ليست استثناء من هذه القاعدة؛ فهي لحظات تتقاطع فيها المشاعر مع الحسابات، والطقوس مع الاستراتيجية، والذاكرة مع ميزان القوى. لكن يبقى من الضروري التمييز بين ما يمكن أن تمثله هذه المناسبات من فرص للمناورة السياسية، وبين ما ستفرضه الوقائع اللاحقة على الأرض. ففي نهاية المطاف، لا تحسم الجنازات اتجاه الصراع، لكنها قد تعيد ضبط إيقاعه، وتمنح الفاعلين وقتا ثمينا لإعادة ترتيب الأوراق قبل الجولة التالية.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *