بقلم: عبد الرحمن مكاوي, باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية-باريس
في الشرق الأوسط، لم تعد معادلة الحرب والسلم تخضع للثنائية التقليدية القائمة على الانتصار أو الهزيمة، بل أصبحت محكومة بمنطق أكثر تعقيدا يقوم على إدارة المخاطر بدل حسمها، وعلى ضبط التصعيد بدل إطلاقه. فالأطراف الرئيسة في الإقليم ـ الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل ـ لا تتحرك اليوم وفق منطق المواجهة الشاملة، بقدر ما تدير صراعا دائم الحضور، لكنه محكوم بسقف استراتيجي يمنع انزلاقه إلى حرب إقليمية مفتوحة. إنها عقيدة يمكن وصفها بـ”الردع المدار”، حيث لا يكون الهدف تدمير الخصم، وإنما إقناعه بأن كلفة تجاوز الخطوط الحمراء ستكون أعلى من أي مكسب محتمل.
ومن يتأمل مسار الأحداث منذ عام 2024 يلاحظ أن وتيرة الضربات المتبادلة، سواء المباشرة أو غير المباشرة، كشفت عن نمط متكرر في السلوك الاستراتيجي للأطراف الثلاثة. فكل طرف يسعى إلى إثبات القدرة على الرد، لكنه يتجنب في الوقت نفسه توجيه ضربة تؤدي إلى انهيار منظومة الردع بالكامل أو تفرض على الطرف الآخر الرد بطريقة لا يمكن احتواؤها. بهذا المعنى، لم يعد الردع يقوم على الامتناع عن استخدام القوة، وإنما على استخدامها بجرعات محسوبة، تكفي للحفاظ على المصداقية العسكرية، لكنها لا تبلغ مستوى الحرب الشاملة.
يمكن تصور هذه العقيدة على شكل ثلاث دوائر متحدة المركز. تمثل الدائرة الأولى مجال الرسائل السياسية والعسكرية، حيث تتبادل الأطراف إشارات القوة عبر المناورات، والتحركات البحرية، والطلعات الجوية، والتهديدات المعلنة، والعقوبات الاقتصادية، والعمليات السيبرانية. والغاية هنا ليست إلحاق الضرر المباشر، بل التأثير في حسابات الخصم وإعادة رسم حدود الردع. أما الدائرة الثانية، فهي دائرة الاحتكاك المنضبط، وتشمل الضربات المحدودة، والعمليات الاستخباراتية، والاستهدافات الدقيقة، والردود المحسوبة التي تسمح لكل طرف بإثبات قدرته على الرد دون دفع المنطقة نحو انفجار شامل. إنها المنطقة التي تتحرك فيها حرب الظل، حيث تبقى القوة حاضرة، لكن استخدامها يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالزمان والمكان وطبيعة الأهداف.
وتبقى الدائرة الثالثة هي الأكثر حساسية، لأنها تمثل منطقة المحظور الاستراتيجي؛ أي كل ما من شأنه أن يفرض على الخصم الرد بأقصى درجات القوة، مثل استهداف القيادات العليا للدول، أو المساس بالبنية النووية بصورة تؤدي إلى انهيار الردع، أو تعطيل الملاحة الدولية بشكل شامل، أو ضرب منشآت حيوية تؤثر في الاقتصاد العالمي. هذه هي المنطقة التي يدرك الجميع أن تجاوزها يعني الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة الحرب.
من هنا تبدو المنطقة وكأنها تعيش فوق رقعة شطرنج استراتيجية، تتحرك عليها القطع باستمرار، لكن اللاعبين يتجنبون الحركة الوحيدة التي تنهي المباراة. فالولايات المتحدة تدرك أن أي حرب مباشرة مع إيران ستستنزف قدراتها العسكرية والسياسية في لحظة يشهد فيها النظام الدولي تحولات كبرى، وتتصاعد فيها المنافسة مع الصين وروسيا. وإيران، رغم خطابها التصعيدي، تعلم أن مواجهة مفتوحة قد تعرض بنيتها الاقتصادية والعسكرية لضغوط يصعب تحملها. أما إسرائيل، فرغم احتفاظها بحق المبادرة العسكرية، فإنها تدرك أن أي توسع غير محسوب للصراع قد يفتح عليها عدة جبهات في وقت واحد. لهذا السبب، تبدو سياسة “الرد المحسوب” أكثر جاذبية من خيار الحسم العسكري. فالغاية ليست تحقيق نصر نهائي، وإنما المحافظة على ميزان ردع يمنع الخصم من تغيير قواعد اللعبة، دون الوصول إلى النقطة التي يصبح فيها التراجع مستحيلا. إنها معادلة دقيقة تجمع بين إظهار القوة وضبط النفس، وبين التصعيد والاحتواء، وبين الرسائل العسكرية والحسابات السياسية.
ولعل أفضل تشبيه لهذه المعادلة هو لعبة الشطرنج. فاللاعب المحترف لا يسعى إلى تحريك جميع قطعه دفعة واحدة، ولا يضحي بملكته من أجل مكسب تكتيكي محدود، وإنما يحافظ على توازن الرقعة، لأن استمرار اللعبة قد يكون في حد ذاته شكلا من أشكال الانتصار. وهذا ما يفسر استمرار التوتر في الشرق الأوسط دون تحوله، حتى الآن، إلى حرب إقليمية شاملة. فالأطراف الثلاثة لا تبحث عن “شاه مات”، بل عن إبقاء الخصم تحت الضغط، مع الإبقاء في الوقت نفسه على إمكانية العودة إلى الاحتواء متى اقتضت الضرورة. إن الشرق الأوسط يعيش اليوم في ظل معادلة جديدة لا تقوم على إنهاء الصراع، بل على إدارته. وهي معادلة هشة، لكنها أثبتت حتى الآن قدرتها على منع الانفجار الكبير، رغم أنها لا تمنع اندلاع أزمات متكررة أو مواجهات محدودة. ويبقى السؤال مفتوحا: إلى أي مدى يمكن لهذا الردع المدار أن يصمد إذا أخطأ أحد اللاعبين في قراءة نوايا الآخر؟ ففي عالم الأزمات المركبة، كثيرا ما تبدأ الحروب الكبرى بخطأ صغير في الحساب، لا بقرار مسبق بخوضها.
📲 Partager sur WhatsApp