فسحة الصيف في جريدة الورقاء

بقلم عبد الله شوكاكاتب وصحافي – المغرب

للصيف طقوسه الخاصة؛ فهو فصل تخف فيه وطأة الأيام، وتتسع فيه فسحة القراءة، ويبحث القارئ عن المتعة التي تجمع بين الابتسامة والحنين، وبين خفة الروح وعمق الذاكرة. وانطلاقا من هذا التصور، يسعد جريدة الورقاء أن ترافق قراءها الكرام طوال هذا الفصل بسلسلة استثنائية، نستعيد من خلالها جانبا من الذاكرة الشعبية المغربية، عبر حكايات ومواقف ونوادر أحد أشهر صناع الابتسامة في الدار البيضاء، بل أحد أساطير النكتة الشفوية في الحي المحمدي… المرحوم كيرا، عاشق فريق الاتحاد البيضاوي “الطاس”، الذي ظل اسمه محفورا في ذاكرة أجيال من أبناء الحي، بما امتلكه من سرعة بديهة، وحضور آسر، وقدرة نادرة على تحويل أبسط المواقف اليومية إلى لوحات من الضحك الخالص.

فالحي المحمدي لم يكن مجرد فضاء عمراني، بل كان مدرسة وطنية في الإبداع الشعبي، أنجبت نجوما في الرياضة، وفي مقدمتهم أعلام فريق الاتحاد البيضاوي، كما أنجبت رموزا خالدة في الأغنية الملتزمة مع ناس الغيوان والمشاهب وتكادة ومسناوة، واحتضنت تجارب مسرحية صنعت جزءا من الوعي الثقافي المغربي. وفي قلب هذا المشهد الزاخر، برزت أسماء صنعت مجد الفكاهة الشعبية، من أمثال خليفة وكوميرا، غير أن اسم كيرا ظل يحتل مكانة استثنائية في ذاكرة أبناء الحي، حتى غدا مرجعا في النكتة الارتجالية، وصاحب مدرسة خاصة في صناعة الضحك، لا تعتمد على التكلف، بل على الذكاء الفطري، وسرعة الخاطر، والقدرة المدهشة على التقاط المفارقة وتحويلها، في لحظة خاطفة، إلى نكتة تتناقلها الألسن لسنوات طويلة.

كان كيرا ينسج الدعابة كما ينسج الشاعر قصيدته؛ لا يحتاج إلى إعداد، ولا إلى منصة، ولا إلى جمهور مدفوع إلى الضحك. كان يكفي أن ينطق بجملة، أو يعلق على موقف عابر، حتى تنفجر الحلقة من حوله بالقهقهات، وتتحول الجلسة إلى مهرجان عفوي للفكاهة، يخرج منه الجميع وهم يحملون حكاية جديدة تروى في المجالس. ورغم أن الرجل عاش بعيدا عن الأضواء، ولم يعرف طريق الشهرة الإعلامية، فإن أثره بقي حيا في الذاكرة الجماعية، يتوارثه أبناء الحي المحمدي جيلا بعد جيل، حتى أصبحت كثير من نوادره جزءا من التراث الشفهي المغربي، تستعاد كلما اجتمع الأصدقاء أو التأمت جلسات السمر.

ومن هذا الإرث الإنساني الجميل، تفتح جريدة الورقاء نافذة صيفية خاصة، تقدم من خلالها، في سلسلة حلقات متتابعة، مختارات من أشهر نوادر كيرا ومواقفه الطريفة، وفاء لذاكرة رجل لم يترك كتابا، ولا برنامجا تلفزيونيا، ولا أرشيفا مصورا، لكنه ترك ما هو أبقى… ابتسامات لا تزال تقاوم النسيان. هي دعوة إلى استراحة من صخب الأخبار، وإلى العودة إلى زمن كانت فيه الكلمة الذكية تصنع الفرح، وكانت النكتة الراقية لغة للتآلف، ووسيلة لتخفيف أعباء الحياة. فمرحبا بكم، قراء الورقاء الأوفياء، في هذه الرحلة الممتعة عبر ذاكرة الحي المحمدي، حيث سنكتشف معا، حلقة بعد أخرى، جانبا من عالم كيرا… الرجل الذي عاش متواضعا، ورحل في صمت، لكنه ترك خلفه إرثا من الضحك الصادق، لا يزال يضيء المجالس ويبهج الأرواح. فاستعدوا لجرعة من النوادر الأصيلة، حيث تلتقي خفة الظل بذكاء الكلمة، وتصافح الابتسامة ذاكرة مدينة لا تزال تنجب الأساطير.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “فسحة الصيف في جريدة الورقاء

  1. في انتظار الصورة التي ستنحت بها شخصية كيرا، الشخصية التي اتخذت الذاكرة الشفوية مسكنات لها. وبهذا العمل أكيد سنكون مع تجربة أخرى من تجارب صناع شروط إمكان الابتسامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *