بقلم زكية لعروسي, باريس
في السياسة، ليست كل كلمة تقال من أجل من وجهت إليه، بل كثيرا ما تكون السهام مصوبة إلى شخص آخر يقف في الجهة المقابلة. هكذا يمكن قراءة الإشادة التي وجهها لوران فوكييه إلى إدوار فيليب، فهي لم تكن، في جوهرها، رسالة حب سياسي لرئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، بقدر ما كانت رسالة مشفرة إلى خصمه داخل حزب الجمهوريين، برونو روتايو. السياسة الفرنسية، منذ زمن بعيد، لم تعد مسرحا للصدام بين اليمين واليسار فقط، بل أصبحت أيضا مسرحا لحروب الأشقاء، حيث يكون العدو الأقرب هو الأكثر خطورة. فالخصم البعيد يمكن التفاوض معه، أما المنافس الذي يقتسم معك البيت نفسه، فهو القادر على سحب البساط من تحت قدميك.
لقد فهم ميكيافيلي هذه القاعدة قبل خمسة قرون حين قال إن أخطر الحروب هي تلك التي تدور داخل القصر، لا على أسواره. وما يجري اليوم داخل اليمين الفرنسي ليس سوى فصل جديد من تلك الحقيقة القديمة؛ فحين يثني فوكييه على إدوار فيليب، فإنه لا يمنحه شهادة كفاءة بقدر ما يبعث برسالة إلى روتايو مفادها أن الطريق إلى قصر الإليزيه لا يمر بالضرورة عبر رئاسة حزب الجمهوريين. المفارقة أن فوكييه نفسه كان من أشد منتقدي إدوار فيليب، واتهمه في السابق بالتخلي عن قيم اليمين. واليوم يراه قادرا على تجسيد “الجدية” و”النظام”. فهل تغير إدوار فيليب، أم أن حسابات السياسة هي التي تغيرت؟ هنا تتجلى إحدى أقدم حقائق السلطة؛ فالمواقف لا تتحرك دائما بفعل المبادئ، بل كثيرا ما تحركها موازين القوة. والسياسي، حين يشعر بأن خصمه يقترب من القمة، قد يفضل أن يمنح خصمه الآخر سلما يصعد عليه، فقط ليمنع منافسه المباشر من بلوغ القمة.

التاريخ مليء بهذه المفارقات. ففي روما القديمة، كانت التحالفات تعقد صباحا وتتفكك مساء، وفي بلاطات أوروبا كان الخصوم يتبادلون الابتسامات فوق الموائد، بينما كانت الخناجر تنتظر خلف الستائر. لذلك لا ينبغي قراءة السياسة بلغة الصداقة والعداوة، وإنما بلغة المصالح المتحركة. ويبدو أن اليمين الفرنسي يعيش اليوم أزمة هوية أكثر مما يعيش أزمة قيادة. فالسؤال لم يعد: من سيكون المرشح؟ بل أصبح: أي يمين يريد الفرنسيون؟ هل هو يمين محافظ يتجسد في برونو روتايو، أم يمين ليبرالي براغماتي يمثله إدوار فيليب، أم يمين يبحث عن إعادة تعريف نفسه وسط مشهد سياسي تزداد فيه قوة اليمين المتطرف وتتشظى فيه الأحزاب التقليدية؟

إن أخطر ما تواجهه الأحزاب العريقة ليس هزيمتها أمام خصومها، وإنما فقدانها القدرة على الاتفاق داخل بيتها. فعندما يتحول الحزب إلى ساحة لتصفية الحسابات، يصبح الخصم الخارجي مجرد متفرج يستمتع بالمشهد. ولعل المثل الفرنسي القائل: “عدو عدوي ليس دائما صديقي” يجد اليوم تطبيقا جديدا. أما الحكمة العربية القديمة: “أكلت يوم أكل الثور الأبيض”، فتذكر السياسيين بأن الانقسام الداخلي قد يكون أسرع الطرق إلى الهزيمة. قد لا يكون الرابح الحقيقي هو إدوار فيليب، ولا برونو روتايو، ولا حتى لوران فوكييه، بل الناخب الفرنسي وحده، الذي يراقب هذه المناورات بعين ناقدة، مدركا أن السياسة ليست رواية عن الوفاء، بل فن إدارة التناقضات، وأن التحالفات فيها تكتب بقلم الرصاص، بينما تمحى بممحاة المصالح. هكذا تظل السياسة الفرنسية وفية لطباعها؛ رقعة شطرنج لا يتحرك فيها اللاعبون نحو الملك مباشرة، بل يلتفون حوله في دوائر واسعة، لأن الطريق إلى السلطة لا يرسم بخط مستقيم، وإنما بمنعطفات لا يتقنها إلا من تعلم أن الخصم قد يصبح، في لحظة واحدة، جسرا يعبر فوقه إلى معركة أكبر.
📲 Partager sur WhatsApp