بقلم عبد الله شوكا, كاتب وصحافي – المغرب
أنشئت السكك الحديدية في مختلف دول العالم لتقريب المسافات، وتيسير تنقل المواطنين، وربط المدن والقرى والمراكز الحضرية والقروية بشبكة نقل حديثة تستجيب لحاجيات السكان. غير أن الواقع في المغرب يكشف مفارقة تثير الكثير من علامات الاستفهام، إذ أصبحت قطارات المكتب الوطني للسكك الحديدية تمر عبر عشرات المحطات مرور الكرام، وكأنها غير موجودة على امتداد الخطوط الحديدية، رغم أن هذه المحطات تخدم مناطق ذات كثافة سكانية مهمة، ويعاني سكانها يوميا من أزمة حقيقية في التنقل. وهنا يبرز سؤال مشروع: ما الغاية من وجود محطة للقطار إذا كانت القطارات لا تتوقف بها؟ وما الجدوى من تشييدها وصيانتها وتحديثها إذا كانت خارج حسابات برمجة التوقفات؟
لقد أصبح من المألوف أن يقطع القطار مئات الكيلومترات، بينما يتوقف في عدد محدود جدا من المحطات الكبرى، متجاوزا عشرات المحطات الصغرى التي تنتظر ساكنتها منذ سنوات أن تحظى بحقها الطبيعي في خدمة عمومية يفترض أنها وجدت من أجل جميع المواطنين، وليس لفئة دون أخرى. ولعل أوضح مثال على ذلك الخط الرابط بين الدار البيضاء ومراكش، حيث يتوقف القطار في محطات الوازيس، وبرشيد، وسطات، وابن جرير، قبل أن يصل إلى مراكش، بينما يعبر دون توقف بمحطات درب السلطان، وسيدي معروف، وبوفروج، وسيدي العايدي، وخميسات الشاوية، وإيمفوت، ومشرع بن عبو، وسيدي عبد الله، وصخور الرحامنة، ونزالة العظم، وسيدي بوعثمان، وغيرها من المحطات التي لا تزال خارج دائرة الاهتمام، رغم أن آلاف المواطنين يعتمدون عليها في تنقلاتهم اليومية.

وأثناء السفر عبر هذا الخط، يلفت انتباه المسافر ذلك العدد الكبير من المحطات التي تبدو وكأنها مجرد بنايات صامتة، تعبرها القطارات بسرعة كبيرة دون أن تمنح سكانها فرصة الصعود أو النزول، في مشهد يختزل حجم التفاوت في الاستفادة من خدمات النقل السككي. وقد ازدادت حيرة المواطنين بعد إنجاز الخط الثاني بين الدار البيضاء ومراكش، وما رافقه من استثمارات ضخمة وأشغال توسعة وتأهيل مست عددا من المحطات. فقد اعتقد كثيرون أن هذه المشاريع ستكون مناسبة لإعادة النظر في سياسة التوقفات، وتمكين المحطات الصغرى من نصيبها المشروع من الخدمات، غير أن الواقع جاء مخالفا لتلك التطلعات، واستمرت القطارات في تجاوز أغلب هذه المحطات كما كانت تفعل في السابق.
وهنا يطرح سؤال آخر نفسه بإلحاح: ما جدوى إنفاق مليارات السنتيمات على تأهيل محطات لا تتوقف عندها القطارات؟ وهل الغاية من هذه الاستثمارات تحسين البنية التحتية فقط، أم أن الأصل هو تقريب خدمة النقل من المواطنين والتخفيف من معاناتهم اليومية؟ إن سياسة تهميش المحطات الصغيرة لا تنعكس فقط على تنقل الأفراد، بل تمتد آثارها إلى التنمية المحلية، وإلى الحركة الاقتصادية والتجارية، وإلى تكافؤ الفرص بين مختلف المناطق، لأن النقل ليس مجرد وسيلة للانتقال، بل هو رافعة أساسية للتنمية والعدالة المجالية.

وأمام هذا الواقع، لا يبقى أمام الرأي العام إلا احتمالان لا ثالث لهما؛ إما أن معاناة سكان هذه المناطق لا تحظى بالأولوية في أجندة المكتب الوطني للسكك الحديدية، وإما أن المكتب يرى أن العائدات المحتملة من هذه المحطات لا تستحق إعادة برمجة توقف بعض القطارات بها، رغم ما قد تحققه من تخفيف لمعاناة المواطنين وتحسين لمردودية النقل السككي على المدى البعيد. ويبقى السؤال معلقا، وينتظر جوابا واضحا من إدارة المكتب الوطني للسكك الحديدية: إلى متى ستظل المحطات الصغيرة مهمشة، بينما تمر القطارات أمامها يوميا دون أن تمنح سكانها حقهم في الاستفادة من خدمة عمومية أنشئت أساسا من أجلهم؟ إن الجواب اليوم يوجد لدى المدير العام للمكتب الوطني للسكك الحديدية، السيد محمد ربيع الخليع، الذي يبقى مطالبا بتوضيح الأسس التي تعتمدها المؤسسة في برمجة توقف القطارات، وإعادة النظر في سياسة التوقفات بما يحقق الإنصاف بين مختلف مناطق المملكة، ويجعل من القطار وسيلة نقل في خدمة جميع المغاربة، لا في خدمة المدن الكبرى وحدها.
📲 Partager sur WhatsApp
الخدمة العمومية كيف ما كان نوعها، كونها هي كذلك، فينبغي أن تكون في خدمة المواتن، لأنها من تمويل ضراءب هذا المواطن نفسه. اما ان يكون الجهة الوصية على هذا القطاع رؤية أخرى ، فالأمر يساءل ترسانة الحقوق المطلوبة للمواطنة دستوريا. صحيح ما ورد في المقال، يشير إلى أن ثمة سرعتان….