تعبر الحدود الأجساد… فتعبر الأسئلة أيضا

بقلم زكية لعروسي, باريس

ليست الهجرة حركة أقدام على خرائط الأرض، بل زلزال بطيء في جغرافيا الضمير الإنساني. فمنذ أن خرج الإنسان الأول من كهفه، لم يتوقف عن حمل وطنه فوق كتفيه، حتى حين كان يتركه وراءه. كل مهاجر يحمل حقيبتين: واحدة يراها رجال الحدود، وأخرى لا يراها أحد، مملوءة بأسماء الأمهات، ولهجات الطفولة، وروائح الخبز، وأصوات المدن التي بقيت تلوّح له من بعيد. ولذلك، فإن الأرقام التي تتحدث عن مئات الآلاف من طلبات التسوية القانونية في إسبانيا ليست مجرد إحصاءات إدارية، بل هي نبض تاريخ يتحرك تحت جلد أوروبا. فكل ملف ليس ورقة في أرشيف الدولة، بل سيرة إنسان قرر أن يقايض المجهول بما تبقى له من أمل.

لقد اعتادت الدول أن تنظر إلى الهجرة بوصفها ملفا أمنيا أو اقتصاديا، بينما تنظر إليها الفلسفة بوصفها سؤالا عن معنى الانتماء. متى يصبح الإنسان ابنا للأرض التي يعمل فيها؟ هل تحدد ذلك وثيقة رسمية، أم السنوات التي يقضيها وهو يشارك المجتمع تعبه وأفراحه؟ وهل الإقامة القانونية تمنح وطنا، أم تمنح فقط حق البقاء؟ إسبانيا تجد نفسها اليوم أمام مفارقة عميقة. فهي تحتاج إلى اليد العاملة، وإلى تجديد قواها الديموغرافية، وإلى إدماج مئات الآلاف ممن يعيشون ويعملون على أرضها. لكنها، في الوقت نفسه، مطالبة بالحفاظ على توازنات قانونية وسياسية واجتماعية دقيقة. ولهذا جاءت عملية التسوية الاستثنائية محاولة لتنظيم واقع قائم أكثر من كونها دعوة إلى هجرة جديدة.

وتكشف البيانات أن النسبة الأكبر من المتقدمين تنتمي إلى الفئة العمرية الأكثر نشاطا في سوق العمل. وهذه ليست مصادفة؛ إنها تذكير بأن الهجرة ليست فقط رحلة نجاة، بل أيضا رحلة مساهمة. فالمدن الأوروبية الحديثة لا تبنى بالحجارة وحدها، بل بالأيدي التي تشيدها، وبالعقول التي تديرها، وبالنساء والرجال الذين يفتحون متاجرهم، ويقودون الحافلات، ويعملون في المستشفيات، والمزارع، والموانئ، والمصانع. وفي هذا السياق، يبرز الحضور الكبير للمواطنين القادمين من كولومبيا والمغرب. وليس في ذلك دليل على أفضلية شعب على آخر، بل انعكاس لمسارات تاريخية، وروابط لغوية وثقافية، وشبكات اجتماعية، وفرص اقتصادية دفعت آلاف الأشخاص إلى اختيار إسبانيا بوصفها محطة لإعادة بناء الحياة.

لكن الوثيقة القانونية، مهما بلغت أهميتها، لا تحل جميع الأسئلة. فهي تمنح حق الإقامة والعمل لمن يستوفي الشروط، لكنها لا تمنح الجنسية تلقائيًا، ولا الحقوق السياسية المرتبطة بها. وهنا يظهر الفارق بين أن تكون مقيما في وطن، وأن تكون جزءا من جماعته السياسية. إنه فارق يذكّرنا بأن المواطنة ليست مجرد إقامة، بل علاقة طويلة بين الفرد والدولة، تقوم على الحقوق والواجبات والثقة المتبادلة. ويبقى التحدي الأكبر بعد انتهاء مرحلة تقديم الطلبات: قدرة المؤسسات على معالجة هذا الحجم غير المسبوق من الملفات بكفاءة وعدالة، مع الحد من ظواهر الاستغلال، مثل سماسرة المواعيد والإجراءات، الذين يحولون حاجة الناس إلى سلعة.

ربما سيواصل العالم الحديث تشييد الجدران، لكنه سيكتشف مرة بعد أخرى أن البشر لا يهاجرون لأنهم يحبون الرحيل، بل لأن الحياة، في بعض الأماكن، تضيق حتى يصبح الأفق أوسع من الوطن. ولعل السؤال الذي سيطرحه المؤرخون مستقبلا لن يكون: كم شخصا حصل على تصريح إقامة؟ بل سيكون: هل استطاعت المجتمعات أن تحول الهجرة من مصدر للخوف إلى فرصة لبناء عقد اجتماعي أكثر اتساعا، يعترف بكرامة الإنسان دون أن يتخلى عن سيادة القانون؟ فهناك حقيقة لا يغيرها أي جواز سفر: الإنسان لا يبحث، في نهاية المطاف، عن حدود أقل… بل عن مستقبل أكثر رحابة.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “تعبر الحدود الأجساد… فتعبر الأسئلة أيضا

  1. الإنسان كاءن نباتي، له جذور ونسغ تربة، ما يجعله لا يسكن وطنا، بل الوطن يسكن لسنه ولكنته ولون جلدته وطروس ثقافته. من هنا إشكالات ما معنى أن تعيش تجربة الإغتراب، وطن داخل وطن يفتح المرء أبوابه الإدارية أولا ومن بعد على حامل الوطن مسقط الرأس، أن يبدع في عيش لسن وثقافة الوطن المضيف.
    مقال متأمل وعميق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *