عبد الله شوكا, كاتب وصحافي-المغرب
مرة أخرى، يسدل المنتخب البرازيلي الستار على مشاركته في نهائيات كأس العالم قبل الأوان، ويغادر المسرح الكبير مطأطأ الرأس، بعدما عجز عن بلوغ الأدوار المتقدمة، وسقط أمام منتخب نرويجي طموح عرف كيف يروض هيبة القميص الأصفر، ويكتب نهاية جديدة لواحد من أكثر المنتخبات تتويجا في تاريخ اللعبة. ولم يعد هذا المشهد استثناء عابرا، بل تحول إلى مشهد يتكرر كلما حضرت البرازيل إلى المونديال محاطة بهالة الماضي وأمجاد الأساطير، لكنها تعود محملة بخيبة جديدة، وكأن مجد الأمس لم يعد قادرا على حماية حاضرها من الانكسارات.
وفي الذاكرة المغربية، يظل مونديال فرنسا سنة 1998 محطة لا تمحى. ففي ذلك الصيف، كان المنتخب الوطني المغربي على موعد مع حلم مشروع، قبل أن تتجه الأنظار إلى المباراة التي جمعت البرازيل بالنرويج، وهي المباراة التي أحاط بها كثير من الجدل، وترسخ لدى قطاع واسع من الجماهير المغربية اعتقاد بأن نتيجتها حرمت أسود الأطلس من عبور مستحق إلى الدور الثاني. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد العلاقة الوجدانية التي ربطت المغاربة بالمنتخب البرازيلي كما كانت من قبل.
لقد كان المغاربة، لعقود طويلة، يعشقون منتخب السامبا عشقا استثنائيا. كانوا يرونه التجسيد الحقيقي لكرة القدم الجميلة، ويعتبرون انتصاراته انتصارات لهم، ويحزنون لإقصائه كما لو أن منتخبهم الوطني هو الذي ودع المنافسة. كان ذلك زمن العمالقة الذين صنعوا أسطورة البرازيل، من سوقراطيس، وجونيور، وإيدير، وفالكاو، وريفيلينو، وزيكو، وصولا إلى أجيال أخرى جعلت من الكرة البرازيلية مدرسة قائمة بذاتها، عنوانها الإبداع قبل النتيجة، والجمال قبل الحسابات.
غير أن المشاعر، شأنها شأن التاريخ، لا تبقى على حالها. فما إن استقرت أحداث مونديال 1998 في الذاكرة الجماعية للمغاربة حتى بدأ ذلك العشق يخبو شيئا فشيئا، ليحل محله فتور، ثم لا مبالاة، بل إن كثيرا من المقاهي المغربية باتت تستقبل أهداف المنافسين في الشباك البرازيلية بالتصفيق والهتاف، في صورة تختزل كيف تستطيع الذاكرة الرياضية أن تحفظ ما تعتبره ظلما، وأن تورثه للأجيال.
قد يصف البعض ما تعيشه البرازيل اليوم بأنه تراجع طبيعي لدورة كرة القدم، وقد يراه آخرون مجرد سوء توفيق، لكن المخيال الشعبي المغربي يملك تفسيرا آخر، أكثر شاعرية وأقرب إلى لغة الأساطير. إنه يهمس، كلما تعثرت البرازيل، بأن دعوة المظلوم لا تسقط بالتقادم، وأن ذاكرة الشعوب لا تنسى بسهولة. ولعل أجمل ما يمكن أن تختتم به هذه الحكاية، تلك الحكمة المغربية البسيطة والعميقة في آن واحد: “مع المغاربة ديرها غير زوينة.” فهي ليست مجرد عبارة دارجة، بل فلسفة تختصر قيمة الوفاء، والاحترام، وحسن المعاملة، لأن ما يزرعه الإنسان في قلوب الناس يعود إليه يوما، مدحا أو عتابا، محبة أو جفاء.
📲 Partager sur WhatsApp