بقلم زكية لعروسي, باريس
هناك مدن لا تسقط، بل تغيّر جلدها كما تغيّر الأفاعي أسماءها في الأساطير. ودمشق ليست مدينة من حجرٍ وطين، بل كائن جيولوجيٌ من الزمن، ينام فوق طبقات الأنبياء، ويستيقظ على وقع الجيوش، ثم يمضي في طريقه كأن شيئا لم يكن. كل إمبراطورية ظنت أنها امتلكت مفاتيحها، اكتشفت بعد حين أن دمشق كانت هي التي تمتلك مفاتيح الإمبراطوريات.
حين حطّت طائرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في دمشق، لم يكن المشهد مجرد زيارة دبلوماسية، ولم يكن مجرد كسر لعزلة سياسية امتدت سنوات. كان الزمن نفسه يغيّر جلده أمام أعين العالم. فالسياسة، في النهاية، ليست فنّ المبادئ كما تدرَّس في الجامعات، بل فنّ الوصول متأخرًا إلى الحقائق التي صنعتها الوقائع. ثلاثة عشر عاما من الحرب لم تغيّر جغرافيا سوريا وحدها، بل غيّرت خرائط الإدراك الدولي. القوى التي كانت تتحدث بلغة اليقين، صارت اليوم تتحدث بلهجة الاحتمالات. والذين كانوا يرسمون مستقبل دمشق من العواصم البعيدة، وجدوا أنفسهم مضطرين إلى السفر إليها لفهم ما جرى.

التاريخ لا يحبّ الفراغ. وهذه واحدة من أكثر قواعده قسوة. فإذا انسحبت قوة، تقدمت أخرى. وإذا أغلقت دولة بابا، فتحته المصالح من نافذة أخرى. لذلك لم تكن زيارة ماكرون اعترافا عاطفيا بسوريا الجديدة، بقدر ما كانت اعترافا بأن الشرق الأوسط لم يعد ينتظر أحدا. فرنسا تعرف دمشق أكثر مما يعرف كثيرون. هنا مرّت جيوشها، وهنا كتبت جزءا من تاريخ انتدابها، وهنا خسرت أيضًا كثيرا من أوهامها. ولذلك فإن عودة باريس ليست عودة السائح إلى مدينة قديمة، بل عودة الوريث إلى بيت تغيّر أصحابه وأثاثه وحتى قوانينه.
أما الرئيس السوري أحمد الشرع، فهو يدخل التاريخ من باب بالغ الصعوبة. ليس لأنه ورث دولة مستقرة، بل لأنه ورث أنقاض دولة، وأمة متعبة، واقتصادا يكاد يمشي على عكازين، ومجتمعا يحمل في ذاكرته من الجراح ما يكفي لعدة قرون. هنا لا تكفي الشعارات، ولا تكفي الخطب. فإعادة بناء الدول ليست عملية هندسية، بل عملية إعادة اختراع للثقة بين الإنسان ووطنه. سيكون من السذاجة اختزال الرجل في ماضيه، كما سيكون من الخطأ اعتباره قد نجح قبل أن ينجح فعلا. السياسة ليست محكمة أخلاقية، لكنها أيضا ليست صكّ غفران. ما سيمنحه التاريخ للرئيس السوري لن تمنحه المؤتمرات، بل ستمنحه المدارس التي ستفتح أبوابها، والمستشفيات التي ستعود للحياة، واللاجئون الذين سيقررون، طوعا، أن طريق العودة صار أكثر أمانا من طريق المنفى.

زيارة ماكرون تكشف أيضًا أن أوروبا تعيش قلقا وجوديا جديدا. لم تعد تخشى الحروب البعيدة لأنها بعيدة، بل لأنها أصبحت قريبة من أمنها، وطاقتها، وحدودها، وموجات الهجرة التي تعيد رسم خرائط السياسة الداخلية الأوروبية. لذلك فإن دمشق لم تعد بالنسبة لباريس ملفا شرق أوسطيا فقط، بل أصبحت جزءًا من الأمن الأوروبي نفسه. في الفلسفة القديمة كان هيراقليطس يقول إنك لا تعبر النهر نفسه مرتين. أما السياسة فتضيف درسا آخر: لا تعود إلى العاصمة نفسها مرتين أيضا. دمشق التي زارها الفرنسيون قبل عقود ليست دمشق اليوم، وماكرون الذي نزل من الطائرة لم يأت إلى دولة تبحث فقط عن الاعتراف، بل إلى دولة تريد أن تفاوض العالم على شروط مرحلة جديدة.
وفي الشرق مثل قديم يقول: “إذا تغيّر اتجاه الريح، غيّر البحّار شراعه لا البحر.” العالم اليوم يغيّر أشرعته. أما البحر، فهو الشرق الأوسط، الذي ما زال يحتفظ بقدرته العجيبة على ابتلاع كل النظريات الجاهزة. ربما لا تغيّر زيارة واحدة وجه المنطقة. لكن التاريخ لا يكتب بالصراخ، بل باللحظات التي تبدو صغيرة وهي في الحقيقة تنقل القارات من ضفة إلى أخرى. وربما، بعد سنوات، لن يتذكر الناس تفاصيل التصريحات الرسمية، لكنهم سيتذكرون أن طائرة فرنسية هبطت في دمشق في لحظة كان العالم يعيد فيها تعريف نفسه، وأن المدينة التي قيل عنها مرارا إنها انتهت، كانت تكتب، بهدوء العواصم العتيقة، فصلا جديدا من بقائها.
📲 Partager sur WhatsApp
قد ينهار الحجر ومعه مدن بكامله، لكن، مادام الإنسان كاءنا نباتيا، ذي جذور في التراب الذي يعتبره مسقط الرأس، لا ينهار الوطن، وعلى الرغم من محاولات تمزيق الجغرافيا، تظل الأرض في مختلف صور مكوناتها، تهمس بما تصنعه يد الإنسان التاريخي الأصيل، من ذاكرة وتاريخ.