هل سيظلّ الجسد أبدا صامتا أمام الكنيسة ؟

بقلم د.زكية لعروسي, رئيسة تحرير الورقاء- باريس

كل حضارة تخيط ثيابها من الأسئلة أكثر مما تخيطها من الأجوبة. والكنيسة، التي تعلمت عبر ألفي سنة كيف تخفي الزمن داخل الحجر، ما تزال حتى اليوم تقف أمام سؤال يبدو أصغر من جدران كاتدرائياتها، لكنه أكبر من أجراسها جميعا: هل يستطيع الإنسان أن يطلب من الجسد الصمت إلى الأبد؟ يعود السؤال كلما خرجت إلى العلن اتهامات جديدة ضد رجل دين. تتغير الأسماء، وتتبدل البلدان، لكن الجرح يبقى هو نفسه. وقبل أن تنطق المحاكم بأحكامها، وقبل أن تنتهي التحقيقات، يعود النقاش القديم ليطل من نافذة التاريخ: لماذا تصر الكنيسة الكاثوليكية اللاتينية على إلزام كهنتها بالعزوبة؟ ولماذا يبدو هذا النظام، رغم القرون، عصيا على المراجعة الشاملة، بينما تغيرت أمور كانت تبدو في زمن ما أكثر قداسة من الجبال؟

ليس السؤال موجها إلى شخص بعينه، ولا إلى قضية بعينها، لأن الأشخاص يمرون، أما الأفكار فتبقى. وما يعنينا ليس الاتهام الذي قد تثبته العدالة أو تنفيه، بل ذلك الخيط الطويل الذي يصل بين اللاهوت والتاريخ والسياسة وعلم النفس وفلسفة الجسد. من الغريب أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يحاول أن يقنع جسده بأنه فكرة. منذ أفلاطون والجسد يعيش تحت الشبهة. كان الفيلسوف اليوناني يرى أن الروح تشبه طائرا حبس في قفص من لحم، وأن المعرفة الحقيقية تبدأ عندما تخف قبضة الجسد. ثم جاءت تيارات روحية متعددة، في الشرق والغرب، لتمنح هذا التصور حياة جديدة. صار الامتناع فضيلة، والصمت حكمة، والجوع طريقا، والعزلة سلما نحو المطلق.

لكن المسيحية الأولى لم تولد على هذا النحو. كان كثير من الرسل متزوجين. وتذكر الأناجيل ورسائل العهد الجديد أن بطرس، الذي تعده الكنيسة الكاثوليكية أول البابوات، كانت له حماة، وهو ما يعني أنه كان متزوجا. وفي الكنائس الشرقية الكاثوليكية والأرثوذكسية لا يزال الكاهن المتزوج أمرا مألوفا، وإن كان الأسقف يختار عادة من الرهبان غير المتزوجين. أما في الكنيسة اللاتينية، فإن إلزام الكهنة بالعزوبة لم يتبلور دفعة واحدة، بل كان ثمرة قرون من النقاشات والقرارات، حتى ترسخ بصورة واضحة في العصور الوسطى، ولا سيما بعد المجمع اللاتراني الثاني في القرن الثاني عشر. وهنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارة. كثيرون يظنون أن العزوبة عقيدة إيمانية لا يمكن الاقتراب منها. والحقيقة أنها ليست عقيدة من قبيل الإيمان بالثالوث أو القيامة، بل هي نظام كنسي وانضباط رعوي تبنته الكنيسة اللاتينية. ولهذا فإن البابا يستطيع، من حيث المبدأ، أن يغيره أو يعدله، كما منحت الكنيسة بالفعل استثناءات لكهنة متزوجين قدموا إليها من طوائف مسيحية أخرى. لكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا بقي؟

الجواب لا يكمن في سبب واحد، بل في غابة كاملة من الأسباب. كان اللاهوت يرى في العزوبة تشبها بالمسيح الذي عاش، بحسب التقليد المسيحي، بلا زواج، ورمزا للتفرغ الكامل لله. وكانت الرهبنة تعتبر أن الإنسان كلما خف حمل الأرض اقترب من السماء. ثم جاءت السياسة تضيف أسبابها الخاصة؛ فالكاهن الذي لا يورث أبناءه لا تتحول ممتلكات الكنيسة إلى إرث عائلي، ولا تتشكل سلالات كهنوتية تتقاسم النفوذ والثروة. امتزج الروحي بالإداري حتى صار الفصل بينهما شبه مستحيل. لكن التاريخ يسخر دائما من الأنظمة التي تعتقد أنها أغلقت كل الأبواب. فالجسد ليس عدوا للعقل، ولا خادما مطيعا له. إنه شريك لا يكف عن التفاوض. وكل حضارة حاولت أن تتعامل معه باعتباره عدما، عاد ليذكرها بأنه الحقيقة الأكثر حضورا.

وهنا تتباين الفلسفات. الرواقيون دعوا إلى تهذيب الرغبات لا إلى إنكار الطبيعة. وأرسطو لم ير الفضيلة في الإفراط ولا في الحرمان، بل في الاعتدال. أما المتصوفة المسلمون فكانوا أكثر دهاء من الصورة النمطية التي رسمها عنهم كثيرون. صحيح أن بعضهم اختار الزهد، لكن كبارهم لم يعتبروا الزواج نقيضا للمعرفة. كان جلال الدين الرومي يرى أن الحب طريق إلى الله، لا سجنا يبعد عنه. وكان ابن عربي يكتب أن التأمل في الجمال الإنساني قد يكون بابا لمعرفة الجمال الإلهي، وأن المحبة ليست خصما للروح بل إحدى لغاتها. حتى الفقه الإسلامي، على اختلاف مدارسه، لم يجعل العزوبة شرطا للقداسة. ولم تعرف اليهودية أصلا فكرة أن رجل الدين ينبغي أن يمتنع عن الزواج كي يكون أقرب إلى الله. فالحاخام قد يكون زوجا وأبا، ولا ينتقص ذلك من مكانته الدينية. لهذا يبدو السؤال أكثر تعقيدا من مجرد مقارنة بين دين وآخر. هل الزواج يمنع الاعتداءات؟

لا توجد دراسة علمية حاسمة تثبت ذلك. والاعتداءات الجنسية، للأسف، وقعت في بيئات يفرض فيها العزوف عن الزواج، ووقعت أيضا في بيئات لا تعرف هذا النظام إطلاقا. علماء النفس وعلماء الإجرام يحذرون من التفسيرات السهلة، لأن الاعتداء يرتبط بعوامل متعددة، منها إساءة استعمال السلطة، واختلالات الشخصية، وآليات الصمت، وضعف الرقابة، وثقافة المؤسسة، أكثر مما يرتبط بسبب واحد. لكن ثمة سؤال آخر لا يقل أهمية. هل يمكن لنظام يطلب من آلاف البشر أن يعيشوا طوال حياتهم في عزوبة كاملة أن يظل بمنأى عن المراجعة، إذا كان كثير من المؤمنين أنفسهم باتوا يتساءلون عن جدواه الرعوية؟

هذا السؤال يتردد داخل الكنيسة منذ عقود. بعض اللاهوتيين يرون أن الإبقاء على العزوبة كخيار روحي حر يمنحها معناها الحقيقي، بينما يرى آخرون أن إلزام الجميع بها قد يحرم الكنيسة من كهنة صالحين، ولا يعالج بالضرورة أزماتها. ومع ذلك، فإن الكنيسة تتحرك ببطء يشبه حركة القارات. فهي مؤسسة تقيس الزمن بالقرون، لا بالسنوات. وما يراه العالم تأخرا قد تراه هي حفاظا على الاستمرارية. وما يراه الإصلاحيون ضرورة عاجلة قد يراه المحافظون تنازلا يمس هوية تقليد طويل. ربما تكمن المفارقة الكبرى في أن الكنيسة التي نجحت عبر التاريخ في تغيير لغاتها، وطقوسها، وعلاقاتها بالدول، ورؤيتها للحرية الدينية، ولمكانة العلم، ما تزال تجد في موضوع العزوبة أحد أكثر الأسئلة حساسية. ليس لأن الإجابة مستحيلة، بل لأن السؤال نفسه يمس صورة الكاهن كما تشكلت في المخيال الكاثوليكي عبر قرون طويلة.

ليست المشكلة, قارئي العزيز, في أن البشر يخطئون؛ فكل الأديان بنيت على الاعتراف بضعف الإنسان. المأساة الحقيقية تبدأ عندما تتحول المؤسسة إلى جدار يمتص الصرخات بدلا من أن يفتح النوافذ. عندها لا يصبح الصمت فضيلة، بل شريكا في الجريمة إن ثبتت، ويغدو الإصلاح ضرورة أخلاقية قبل أن يكون خيارا إداريا. ربما لن يكون المستقبل انتصارا كاملا لأنصار العزوبة، ولا لأنصار إلغائها. وربما تكتشف الكنيسة، كما اكتشفت حضارات كثيرة قبلها، أن القداسة لا تقاس بما يحرم الإنسان من إنسانيته، بل بما يجعله أكثر صدقا معها، وأكثر قدرة على تحمل المسؤولية، وأكثر خضوعا للمساءلة. فالمؤسسات العظيمة لا يهددها الاعتراف بالنقص، وإنما يهددها الاعتقاد بأنها بلغت الكمال، لأن الكمال، منذ بداية التاريخ، لم يكن سوى الاسم الآخر للوهم.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “هل سيظلّ الجسد أبدا صامتا أمام الكنيسة ؟

  1. لم يتمكن، ولا يتمكن القانون، أي قانون، أنا كان مصدره، عبر التاريخ من لجم قوة الليبدو. ذلك لأنه لغة الجسد، بلغة القدماء، لغة البهيمية. والمفارقة هو هذا الموقف لدى الكنيسة، والحال أن الجسد من الخليقة الإلهية، بكل طاقته التي وضع من أجل عقلنتها وأنسنتها، وهو ما يسمى بالوازع. وهو ما يفسر ما عاشته الكنيسة: اريد أن تحرم الجسد مما هو من ثمينه: الرغبة في بعدها الفطري ….عجيب هذا الأمر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *