بقلم زكية لعروسي, باريس
هناك لحظات لا تكذب فيها السياسة، لكنها تكف عن قول الحقيقة كاملة. لحظات لا يبدل فيها السياسي موقفه بقدر ما يبدل اللغة التي يقدمه بها. كأن الكلمات نفسها تصبح زيا رسميا يخلع فوق باب المحكمة ويلبس أمام عدسات الكاميرات. وما بين البابين يولد ذلك الكائن الغريب الذي لا ينتمي إلى القانون وحده ولا إلى المسرح وحده، بل إلى ذلك الإقليم الرمادي الذي اسمه السياسة. هكذا أطلت مارين لوبين مرة أخرى. قبل أيام كانت تقول إنها لا تتصور خوض معركة رئاسية وهي مقيدة بإسوارة إلكترونية. ثم لم تمض سوى لحظات من الزمن السياسي حتى أعلنت: “أنا مرشحة”. لم يتغير الحكم، ولم تتراجع الوقائع القضائية، لكن الزمن نفسه تغير. والزمن في السياسة ليس ساعة معلقة على الجدار، بل مادة مرنة يعاد تشكيلها كلما اقتضت الضرورة.
السياسيون لا يرتدون المعاطف فقط. إنهم يرتدون الاحتمالات. وكل احتمال يخيط لنفسه عباءة جديدة. لذلك تبدو السياسة أحيانا أقرب إلى فن تبديل الجلود منها إلى فن الدفاع عن الأفكار. وما إن يظن الناس أنهم أمسكوا بصورة نهائية لزعيم، حتى يكتشفوا أن الصورة كانت مجرد انعكاس على سطح ماء يتحرك باستمرار. من هي مارين لوبين إذن؟ ليس ذلك السؤال الذي تطرحه السير الذاتية، ولا ذلك الذي تجيب عنه صناديق الاقتراع. السؤال الحقيقي هو: أي امرأة استطاعت أن تحول كل ضربة سياسية إلى مادة جديدة للصراع؟ هنا تتوقف السيرة، ويبدأ اللغز. قد يرى البعض في قرارها امتدادا لخبرة قانونية تعرف كيف تستثمر كل درجات التقاضي التي يتيحها النظام القضائي، وقد يراه آخرون تعبيرا عن ثقافة سياسية لا تستسلم إلا عند استنفاد كل السبل. بين هذين التفسيرين مساحة واسعة للتأويل، لكنها تظل تأويلات، لا يقينا.

لقد ولدت مارين لوبين داخل بيت لم يكن مجرد منزل، بل كان زلزالا سياسيا يحمل اسم والدها. كانت الطفلة تكبر بينما كانت فرنسا تنقسم حول الأب. لم ترث منه الأفكار وحدها، بل ورثت أيضا ثقل الاسم. وهناك أسماء لا تمنح أبناءها امتيازا بقدر ما تمنحهم امتحانا دائما. فأن تكون ابنة جان ماري لوبين يعني أن تبدأ السباق والناس يعتقدون أنهم يعرفون نهايته مسبقا. لكنها فعلت ما يفعله السحرة أكثر مما يفعله الورثة. لم تمزق صورة الأب، ولم تحتفظ بها كما هي. وضعتها أمام مرآة أخرى حتى بدا للرأي العام أن الحزب نفسه تغير، بينما كان في العمق يعيد ترتيب أدواته أكثر مما يعيد تعريف ذاته.
لهذا تبدو مارين لوبين شخصية عصية على القراءة السريعة. فهي ليست ثورية بالمعنى التقليدي، ولا محافظة بالمعنى الكلاسيكي. إنها ابنة زمن يتغذى على الأزمات. وكل أزمة تمنحها فرصة جديدة للعودة إلى الواجهة، حتى صار خصومها يخشون سقوطها بقدر ما كانوا يخشون صعودها، لأن كل هزيمة تتحول في خطابها إلى برهان جديد على أنها تقاتل منظومة كاملة. ولعل المفارقة الكبرى أن المحكمة أرادت أن تغلق بابا قانونيا، فإذا بالسياسة تفتح نافذة أخرى. فالقضاء يصدر أحكاما، أما السياسة فتجيد العيش بين الأحكام. ولهذا لا ينتهي السياسي دائما عند نهاية الملف القضائي، لأن الرأي العام لا يقرأ الوقائع بالطريقة نفسها التي يقرأها القضاة. إنه يضيف إليها الخوف والأمل والغضب والهوية والذاكرة، فتولد قصة أخرى تختلف عن نص الحكم.

فرنسا نفسها تبدو اليوم كأنها مرآة متشققة. الاقتصاد يتباطأ، والمشهد الحزبي فقد كثيرا من يقينه، واليمين واليسار اللذان كانا يشبهان عمودين يحملان سقف الجمهورية، صارا يبحثان عن توازن جديد. في هذا الفراغ تتحول الشخصيات إلى مؤسسات، وتصبح الأسماء أكبر من الأحزاب التي تحملها. لذلك فإن السؤال لم يعد: هل تستطيع مارين لوبين أن تصل إلى الإليزيه؟ بل: ماذا يقول استمرار حضورها عن فرنسا نفسها؟ فربما يكون صعودها، أو مجرد بقائها في قلب النقاش العام، أقل دلالة على شخصها من دلالته على جمهورية لم تعد تجد بسهولة وجوها قادرة على احتكار المستقبل.
السياسة ليست لعبة الأقوياء فقط، بل لعبة الذين يعرفون كيف يحولون الهزيمة إلى فصل جديد من الرواية. والسياسي الذي يخرج من المحكمة حاملا ملفا قضائيا قد يدخل بعد دقائق إلى الاستوديو حاملا ترشحه للرئاسة. ليس لأن الحقيقة تغيرت، بل لأن السياسة لا تسأل أولا: ماذا حدث؟ بل تسأل: كيف سيحكى ما حدث؟ وهنا تكمن غرابة مارين لوبين. إنها لا تسير داخل الزمن، بل تحاول أن تعيد التفاوض معه. وكلما ظن خصومها أن الساعة أعلنت النهاية، مدت يدها إلى عقاربها وكأنها تؤمن بأن التاريخ ليس آلة دقيقة، بل مخلوق متقلب يمكن إقناعه بتأجيل حكمه. وربما لهذا السبب ستظل مارين لوبين، سواء بلغت الإليزيه أم غادرته الأحلام إلى الأبد، واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في فرنسا المعاصرة. لا لأنها كسرت قواعد السياسة، بل لأنها أتقنت استخدام قواعدها حتى بدت، في أعين كثيرين، وكأنها تعيد اختراعها في كل منعطف.
📲 Partager sur WhatsApp