بقلم زكية لعروسي, باريس
ليست المهنة البيضاء ما يلبسه الطبيب، بل ما يتركه في روح الإنسان. فالمعطف الأبيض ليس ثوبا؛ إنه آخر راية يرفعها الضمير في وجه الألم. وكلما انطفأت مدينة، أو نامت قرية على خاصرة الجبل بلا دواء، أدركنا أن الإنسانية هي كذلك بالمسافة التي يقطعها الطبيب ليصل إلى مريض لا يعرف اسمه. حين قرأت خبر أطباء قطعوا البحر والجبال ليصلوا إلى قرى في الأطلس المغربي، لم أر مجرد بعثة إنسانية، بل رأيت صورة قديمة خرجت من ذاكرة الإنسانية نفسها. كأنّ أبقراط عاد يحمل حقيبته الجلدية، وكأنّ الرازي أغلق مختبره ليجلس إلى جانب شيخ في قرية بعيدة، وكأن ابن سينا ترك قصر الأمراء ليصغي إلى نبض امرأة لا تملك سوى الدعاء.
فالطب، قبل أن يكون علما، كان وعدا أخلاقيا. وقد فهم الإغريق ذلك حين جعلوا قسم الطبيب عهدا مع الإنسان لا مع السلطة ولا مع السوق. وفهمه العرب حين قالوا إن الطبيب الحق هو من يرى في المريض إنسانا قبل أن يرى فيه حالةً سريرية. ولم يكن عبثا أن يكتب أبو بكر الرازي أن على الطبيب أن يجمع بين العلم والرحمة، وأن يؤكد ابن سينا أن النفس والجسد يتداويان معا، لأن الألم لا يسكن اللحم وحده، بل قد يسكن الخوف والوحدة واليأس.
لكن العالم الحديث، وهو يراكم المعجزات الطبية، يبدو أحيانا وكأنه فقد شيئا من الروح الأولى للمهنة. صارت المستشفيات أكثر ذكاء، والأجهزة أكثر دقة، غير أن المسافة بين الطبيب والإنسان قد تتسع أحيانا تحت ضغط الوقت والإدارة والاقتصاد. كأن الطب ربح التكنولوجيا، لكنه يخشى أن يخسر الإصغاء. وفي المغرب، كما في كثير من دول العالم، تكشف المناطق الجبلية والقرى البعيدة سؤالا يتجاوز السياسة والصحة معا: هل العدالة تكتمل إذا بقي العلاج رهين الجغرافيا؟
هناك، حيث الجبال تعلّم الصبر، قد يقطع المريض ساعات طويلة ليصل إلى مستوصف صغير، أو ينتظر زيارة طبيب تأتي مع قافلة أو مبادرة تطوعية. وليس ذلك انتقاصا من جهود الدولة أو العاملين في القطاع الصحي، بل تذكير بأن اتساع الجغرافيا، وصعوبة التضاريس، ونقص الموارد البشرية، تجعل تحقيق المساواة الصحية تحديا مستمرا يحتاج إلى استثمارات، وتخطيط، وتحفيز للأطباء، وشراكات مجتمعية. فالخواء الطبي ليس مجرد غياب طبيب، بل غياب زمن كامل من الطمأنينة. إنّه أن تتحول الحمّى إلى رحلة، والولادة إلى مغامرة، والدواء إلى أمنية. إنه أن يصبح الطريق إلى المستشفى أطول من قدرة القلب على الاحتمال.
ومع ذلك، فإن القصة لا تبدأ بالنقص، بل بالإنسان. ذلك الطبيب الذي يترك عيادته المريحة، ويشد رحاله إلى قرية لا يعرفها، لا يسافر وحده؛ بل تحمله فكرة عمرها آلاف السنين: أنّ المعرفة لا تكتمل حتى تشارك، وأنّ الحكمة لا تستحق اسمها إذا بقيت حبيسة المدن. قال الفيلسوف أرسطو إنّ الفضيلة فعل يتكرر حتى يصير طبعا. والطّبيب الذي يختار الطريق الأصعب لا يمارس بطولة عابرة، بل يعيد تعريف الفضيلة في زمن توزن فيه الأشياء غالبا بلغة الربح والخسارة.
وفي التراث العربي، لم يكن الطبيب مجرد معالج للأجساد، بل كان يسمّى أحيانا “حكيما”. وما الحكيم إلاّ من يداوي الإنسان كلّه؛ خوفه قبل مرضه، وعزلته قبل جرحه، ويأسه قبل ألمه. لذلك ظلّ الناس، عبر القرون، يثقون بالطبيب الذي يطرق الباب قبل أن يطرق بابه. ولعل أعظم ما يكشفه هذا النموذج الإنساني أن الطب ليس صراعا مع الموت فحسب، بل مقاومة للنسيان. فالقرية التي يصلها طبيب تقول للعالم إنها لم تترك خارج الخريطة، وإن سكانها ليسوا هامشا في دفتر التنمية، بل قلبا يستحق أن يصان. إن المجتمعات لا تعرف بعدد جامعاتها الطبية فقط، بل بعدد القرى التي لا يشعر أهلها بأنهم بعيدون عن الحق في العلاج. فالعدالة الصحية ليست مشروع وزارة وحدها، بل مشروع حضارة كاملة.
وحين يحمل الطبيب حقيبته إلى أقصى الجبل، فإنه لا ينقل أدوية فحسب؛ إنّه ينقل معنى الدولة، ومعنى التضامن، ومعنى الإنسان. يزرع في الصخور يقينا بأنّ الرحمة يمكن أن تجد طريقها حتى حيث تعجز الخرائط. ولعل الحضارة، في معناها الأخير، ليست أن نبني مستشفيات شاهقة في المدن الكبرى، بل أن نضمن ألا ينام طفل في قرية نائية لأنّ المسافة بينه وبين الطبيب كانت أطول من عمر أمله. فالطب، منذ أبقراط حتى اليوم، لم يكن انتصارًا للعلم وحده، بل انتصارا للإنسان على لامبالاة العالم. وكل طبيب يعبر جبلا أو صحراء ليصل إلى مريض واحد، يكتب، بصمت، فصلا جديدا في أقدم ملحمة عرفتها البشرية: ملحمة الرحمة.
📲 Partager sur WhatsApp