المسدس الذي أطلق النار على الصمت

في فلسفة الهدية… عندما تتكلم الدول بلغة السلاح

بقلم زكية لعروسي, باريس

لم يكن أكثر ما قيل في قمّة حلف شمال الأطلسي إثارة، بل أكثر ما لم يقل. فالسياسة الكبرى لا تكتب كلّها في البيانات الختامية، ولا تختزل في المؤتمرات الصحافية. إنّها كثيرا ما تختبئ داخل صندوق خشبي صغير، أو في قطعة معدنية لامعة، أو في هدية تبدو عادية، بينما تحمل في جوفها خطابا كاملا لا يحتاج إلى مترجم. حين اختار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يقدم لرئيس الوزراء الكندي، وعدد من قادة الحلف، مسدسا تركي الصنع منقوشا باسمه، مرفقا بست رصاصات، لم يكن يهدي قطعة من الفولاذ، بل كان يطلق بيانا سياسيا من دون أن ينطق بكلمة واحدة.

فالهدية، في الدبلوماسية، لا تختار كما تختار التذكارات السياحية. إنها تنتقى كما تنتقى الكلمات في معاهدة سلام، أو كما تصاغ العبارات في إعلان حرب. ولكل هدية نحوها، وبلاغتها، وأسرارها، وما تخفيه بين ظاهرها وباطنها. منذ آلاف السنين، أدرك الإنسان أن الأشياء تتكلم. لم يكن الإغريق يرون في الهدايا تبادلا للمقتنيات، بل تبادلا للمصائر. وكانت أسطورة حصان طروادة أعظم درس في التاريخ: أخطر الحروب دخلت مدينة على هيئة هدية. وفي الإمبراطورية الفارسية، لم يكن الملك يرسل التاج أو السيف اعتباطا، بل ليحدد موقع المتلقي في سلم القوة. أما في التراث العربي، فقد أدرك الحكماء أن «الهدية تذهب بالسخيمة»، لكنهم كانوا يعلمون أيضًا أن بعض الهدايا لا تزيل الضغائن، بل تؤسس لميزان جديد للقوة.

وجاء عالم الاجتماع الفرنسي مارسيل موس ليمنح هذا الحدس الإنساني بعده العلمي، حين أثبت أن الهدية ليست فعل كرم فحسب، بل عقدا غير مكتوب، يخلق علاقة بين المُهدي والمتلقي، ويترك أثرا لا ينتهي بانتهاء لحظة التسليم. لهذا لا يجوز النظر إلى المسدس بوصفه مجرد منتج صناعي. المسدس، منذ اختراعه، ليس أداة فقط، بل فكرة. إنه إعلان عن احتكار القوة، واختزال لإرادة الدولة في قطعة معدنية صغيرة تستطيع أن تمنح الحياة أو تسلبها. أما الرصاصات الست، فهي ليست زينة توضع لإكمال المشهد. الرصاصة، في الفلسفة السياسية، ليست معدنا، بل احتمالا. إنها المستقبل في أكثر صوره قسوة، والإمكان الذي لم يتحقق بعد. ولذلك فإن السؤال ليس: لماذا ست رصاصات؟ بل لماذا لم يكن المسدس فارغا؟

هنا تبدأ الرمزية. قد يكون التفسير الأقرب أن تركيا أرادت إبراز جودة صناعتها الدفاعية من خلال نموذج كامل الوظائف، وهذا ما يتفق مع الرواية الرسمية. لكنّ الرموز، بطبيعتها، تسمح بقراءات متعددة تتجاوز الوظيفة المباشرة. فالدول، مثل الشعراء، تقول أحيانا أكثر مما تصرح به. وربّما أرادت أن تقول إن زمن تركيا التي تشتري السلاح قد انتهى، وإن زمن تركيا التي تصنعه قد بدأ. وربما أرادت أن تذكّر حلفاءها بأن النفوذ في القرن الحادي والعشرين ليس بالخطب عن الديمقراطية، بل أيضا بالقدرة على إنتاج أدوات القوة. وربما لم ترد سوى تسويق صناعتها الدفاعية، لكن السياسة تعلمنا أن الرمز يعيش حياة مستقلة عن نية صاحبه، وأن الناس يقرؤون الإشارات بقدر ما يقرؤون التصريحات. غير أن المفارقة الأكثر شاعرية كانت في الطرف الآخر من المشهد.

رئيس وزراء كندا، القادم من دولة جعلت من تشديد قوانين حمل السلاح جزءا من هويتها السياسية، وجد نفسه يحمل هدية لا يستطيع استخدامها، ولا حتى الاحتفاظ بها وفق الإجراءات المعتادة. يا لها من مفارقة! رجل يمثل فلسفة الحد من انتشار السلاح، يتلقى سلاحا هدية. كأن التاريخ أراد أن يختبر قدرة السياسة على السخرية من نفسها. وهكذا تحولت الهدية، في لحظة واحدة، من رمز للقوة إلى معضلة قانونية وأخلاقية، وانتهى بها المطاف، وفق ما أعلن، إلى أن تعطل ويبحث لها عن مكان في متحف، لتتحول من أداة يمكن أن تطلق رصاصة إلى قطعة تروي قصة. وهنا ينتصر المعنى على المادة. فالمتاحف هي المقابر الراقية للأشياء التي أنهت وظيفتها وبدأت حياتها الرمزية. وليس هذا أول مرة تهز فيها هدية بروتوكولية العالم. حين أهدى هارون الرشيد الإمبراطور شارلمان ساعة مائية، لم يكن يرسل آلة لقياس الزمن، بل كان يعلن أن بغداد تقيس الزمن بعلمها، بينما كانت أوروبا ما تزال تتعلم قراءة ساعاته. وحين كانت الصين الإمبراطورية تهدي الحرير، كانت تصدر فلسفة كاملة عن الرخاء والقوة الناعمة. وحين كان السلاطين العثمانيون يهدون السيوف المرصعة، كانوا يرسلون تعريفا للدولة أكثر مما يرسلون قطعة فنية.

الهدايا الكبرى لا تقرأ بالعين…بل بالتاريخ. إن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه المؤرخ بعد سنوات لن يكون: كم كان ثمن المسدس؟ بل: لماذا اختارت دولة، في قمة يفترض أنها تناقش الأمن العالمي، أن تجعل أكثر هداياها تعبيرا عن نفسها أداة صممت أصلا لإطلاق النار؟ ربما لأن العالم نفسه عاد يتحدث بلغة القوة بعد عقود من أوهام نهاية التاريخ. وربما لأن الصناعات العسكرية أصبحت جزءًا من هوية الدول الصاعدة، لا مجرد قطاع اقتصادي. وربما لأنّ السياسة، في النهاية، تشبه المسرح الإغريقي القديم؛ لا شيء يوضع على الخشبة عبثا، ولا شيء يسلَّم إلى البطل من غير أن يكون له دور في الحبكة. لهذا، لم يكن المسدس هو بطل القصة. البطل الحقيقي كان الرمز. فالرموز لا تصدأ كما يصدأ الحديد، ولا تموت بانتهاء القمم، بل تظل تطارد الذاكرة، وتعيد طرح السؤال نفسه كلما اعتقد العالم أنه فهم السياسة.حقا, لم يطلق ذلك المسدس رصاصة واحدة…لكنه أصاب، بدقة، خيال العالم.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “المسدس الذي أطلق النار على الصمت

  1. ليست كل ما نشير إليه شيءا، الشيء في صلابة معناه وكثافة حضوره هو الكاءن الذي يكون حمالا لمعنى ولدلالة بلورية من حيث الإظهار، و قد يصعب على كلمة أو خطاب أن “يحرر” ما تريد اليد أن تمرره من رسالة، كل شيء يمر بالصمت والابتسامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *