المعمرون الفلاحيون بين الخبرة وغياب المساواة؟

بقلم عبد الله شوكا, كاتب وصحافي- المغرب

ليس من السهل اختزال تاريخ الاستعمار في صورة واحدة، ولا في حكم أخلاقي أو سياسي قاطع. فبين ذاكرة الألم وذاكرة المنفعة، تبقى الوقائع أكثر تعقيدا من الشعارات، ويظل التاريخ مجالا للفهم والتحليل، لا للمرافعة والانحياز. فحين استعاد المغرب استقلاله في منتصف خمسينات القرن الماضي، لم يكن إنهاء الوجود الاستعماري حدثا لحظيا، بل مسارا متدرجا امتدت آثاره سنوات طويلة. فقد غادرت الإدارة الاستعمارية الفرنسية، لكن عددا من المعمرين الفلاحيين ظلوا يستغلون مساحات واسعة من أجود الأراضي الزراعية المغربية، في إطار ترتيبات سياسية واقتصادية فرضتها ظروف المرحلة.

ومن بين الأسماء التي ما تزال حاضرة في ذاكرة سكان منطقة مشرع بن عبو أولاد بوزيري، بضفاف نهر أم الربيع، ناحية سطات، اسم المعمر الفرنسي كازانوفا، الذي كان الأهالي يطلقون عليه اسم “المسيو كازناف”. وقد ارتبط اسمه بعشرات السنين من استغلال ضيعات الليمون التي كانت تمتد على مساحات شاسعة، وتشكل واحدة من أبرز المناطق الفلاحية المنتجة للحوامض في المغرب. كان الرجل يجوب ضيعاته يوميا على متن سيارة قديمة من نوع “دي إس”، يتابع تفاصيل العمل بنفسه، بينما كانت الشاحنات تنقل أطنانا من الليمون نحو ميناء الدار البيضاء، قبل أن تشق طريقها إلى الأسواق الخارجية. وكانت تلك الضيعات تمثل منظومة اقتصادية متكاملة، توفر فرص العمل لمئات الأسر، وتضمن حركية اقتصادية مستمرة داخل المنطقة.

ولا تزال الذاكرة المحلية تحتفظ بصور متعددة لشخصية كازانوفا. فمن جهة، عرف بصرامته الكبيرة في تدبير العمل، حتى إنه اعتمد حراسا أمازيغ لا يتحدثون العربية لتأمين الضيعات والحد من السرقات. ومن جهة أخرى، ارتبط اسمه ببعض المبادرات الاجتماعية التي تركت أثرا لدى السكان، إذ كان يخصص مصحة لاستقبال النساء والأطفال كل يوم خميس، ويوفر لهم الإسعافات الأساسية، كما كان يسمح لتلاميذ مدرسة مشرع بن عبو، بعد انتهاء موسم الجني، بدخول بعض البساتين لالتقاط ما تبقى من ثمار الليمون، وكان يحرص كذلك على توفير أضاحي عيد الأضحى للعمال الذين يشتغلون في ضيعاته.

غير أن هذه الصورة لا تكتمل من دون استحضار الوجه الآخر من تلك المرحلة. فقد شهدت المنطقة، في أواخر خمسينات القرن الماضي، حادثة مأساوية عندما أطلق والد كازانوفا النار من بندقية صيد على رجل يدعى حمو بعدما صادفه ليلا بين أشجار الليمون، فأرداه قتيلا. وهي الواقعة التي استحضرها الفنان الراحل العربي باطما في كتابه الرحيل، بحكم أن الضحية ينتمي إلى عائلته. وتظل هذه الحادثة شاهدا على طبيعة العلاقة غير المتكافئة التي كانت تحكم المستعمر بالسكان المحليين، مهما تعددت الروايات حول تفاصيلها.

ومع بداية ثمانينات القرن الماضي، اتخذ المغرب قرارا بإنهاء إقامة المعمرين الفلاحيين الفرنسيين، في سياق استكمال السيادة الوطنية على الأرض والثروة. وتروي الذاكرة المحلية أن كازانوفا، الذي تعلق بالمنطقة حتى آخر أيام وجوده فيها، حاول التماس السماح له بالبقاء، وقصد الملك المغفور له الحسن الثاني معبرا عن رغبته في مواصلة العيش بأرض مشرع بن عبو التي أحبها، غير أنّ القرار كان قد حسم، فرحل عن المنطقة وسط مشاهد امتزجت فيها الدموع بمرارة الفراق. لكن، وبعد مرور عقود على تلك المرحلة، يظل سؤال مشروع يفرض نفسه بعيدا عن الأحكام الجاهزة والانفعالات: هل كان قرار إنهاء إقامة المعمرين الفلاحيين خطأ؟

الإجابة لا يمكن أن تكون بنعم أو لا. فمن حيث المبدأ، لا يمكن لأي دولة مستقلة أن تتنازل عن حقها في بسط سيادتها الكاملة على أراضيها، ولا أن تجعل جزءا من ثروتها الزراعية تحت إدارة معمرين يمثل وجودهم امتدادا لمرحلة استعمارية انتهت سياسيا. وكان استرجاع الأرض جزءا من استكمال الاستقلال، وهو قرار سيادي يصعب الطعن في مشروعيته. غير أن مشروعية القرار لا تعني بالضرورة نجاح طريقة تدبير ما بعده. فالتاريخ يعلّمنا أن استرجاع الأرض لا يحقق أهدافه تلقائيا، إذا لم يقترن برؤية اقتصادية وإدارية قادرة على المحافظة على الإنتاج، وضمان استمرارية الاستثمار، وحماية فرص الشغل، ونقل الخبرات، وتطوير أساليب التسيير.

وهنا يكمن جوهر الإشكال. فالكثير من الضيعات التي كانت تضج بالحياة والإنتاج فقدت تدريجيا ديناميتها، وتراجعت مردوديتها، واختفت آلاف مناصب الشغل التي كانت تشكل مصدر رزق لأسر المنطقة. ولم يكن الخراب الذي أصاب بعض تلك الأراضي نتيجة حتمية لرحيل المعمرين، بل كان نتيجة فشل في إيجاد بديل قادر على إدارة تلك الثروة بالكفاءة نفسها، مع تحقيق العدالة والسيادة في آن واحد. إن الإنصاف يقتضي التمييز بين رفض الاستعمار باعتباره منظومة سياسية قامت على الهيمنة وسلب الأرض، وبين الاعتراف بأنّ بعض المعمرين امتلكوا خبرات تقنية وإدارية أسهمت في تطوير الإنتاج الفلاحي. كما أن الإنصاف نفسه يقتضي عدم تحويل بعض المبادرات الاجتماعية التي قام بها أفراد منهم إلى تبرير لحقبة استعمارية كانت، في جوهرها، قائمة على غياب المساواة والسيادة الوطنية.

لقد كان من حق المغرب أن يستعيد أرضه، وربما كان الأجدر أن يجعل من ذلك الاسترجاع بداية لنهضة فلاحية أكبر، لا مجرد انتقال في الملكية. فالدول تقاس بقدرتها على إدارة ما تسترجعه، لا بمجرد استرجاعه. ويبقى السؤال مفتوحا للنقاش التاريخي والاقتصادي: هل أخطأ المغرب عندما أنهى إقامة المعمرين الفلاحيين؟ أم أن الخطأ الحقيقي كان في إدارة المرحلة التي تلت رحيلهم؟ ربما يكون الجواب الأكثر دقة هو أن استعادة الأرض كانت ضرورة وطنية، أمّا المحافظة على إنتاجها وازدهارها فكانت مسؤولية الدولة والمجتمع. وبين القرار وتدبير نتائجه يكمن الفرق بين انتصار سياسي كامل، ونجاح تنموي لم يكتمل.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “المعمرون الفلاحيون بين الخبرة وغياب المساواة؟

  1. أشياء من الذاكرة الموشومة ، تلك التي تمثل صفحات لم تكتب بعد، لم يستمع إليها كتاب السردية التاريخية العمومية.
    ما أحوج كثير من الجهات إلى الكتابة التاريخية المونوغرافية لتكتمل الصورة ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *