بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء
في الرابع عشر من يوليو، لا تبدو فرنسا مجرد دولة تحتفل بعيدها الوطني، بل كأنها كائن قديم يستيقظ من ذاكرته كل عام ليعيد اختبار معنى وجوده. في هذا اليوم، لا تسير الجموع فقط نحو الشوارع، بل تسير أيضاً نحو صورة خفية عن نفسها؛ صورة ولدت بين ألسنة اللهب التي أحرقت يقين الباستيل، وما زالت حتى اليوم تبحث عن شكلها الأخير. هذا العام، يجيء الرابع عشر من يوليو محمّلا بقدرين في آن واحد: ذاكرة الثورة، ونشوة الكرة. سبعون ألف شرطي ودركي ينتشرون في المدن، ليس فقط لحماية الاحتفال، بل لحراسة ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل بين الفوضى التي أنجبت الجمهورية، والنظام الذي تحاول الجمهورية أن تحافظ عليه. كأن التاريخ يسخر من نفسه؛ فالثورات تبدأ حين يغيب الحراس، أمّا الدول فلا تستمر إلا إذا كثر الحراس.
وفي المساء، ترتفع العيون إلى شاشة أخرى. ليست السماء وحدها من تستعد للألعاب النارية، بل الملاعب أيضا تستعد لانفجار من نوع آخر. فرنسا تواجه إسبانيا في موعد كروي يختلط فيه العرق بالرمز، والقدم بالفلسفة، والهتاف بما يشبه الصلاة الجماعية. في تلك اللحظة، لا يكون اللاعب مجرد لاعب، ولا المشجع مجرد متفرج؛ كلاهما يتحول إلى استعارة لوطن يحاول أن يثبت لنفسه أنّه ما زال قادرا على الانتصار على هشاشته. غير أن كرة القدم، مهما بدت لعبة، تظل واحدة من أكثر الطقوس الإنسانية قدرة على كشف الفراغ. إنها تمنح الملايين معنى مؤقتاً، ثم تسلبه منهم مع صافرة النهاية. وما النصر إلا تأجيل قصير للهزيمة القادمة، وما الهزيمة إلا تدريب سري على احتمال الزمن.

في الرابع عشر من يوليو، تتجاور صورتان تبدوان متناقضتين، لكنهما في العمق وجهان لمرآة واحدة: جنود يحرسون الشوارع، ولاعبون يحرسون الحلم. الأول يخشى سقوط النظام، والثاني يخشى سقوط الكرة في اللحظة الخطأ. وبين الخوفين، يعيش الإنسان الحديث، وهو يقنع نفسه بأن السيطرة ممكنة، بينما يعلم في أعماقه أن المصير لا يعترف بخطط البشر. الثورة الفرنسية لم تكن حدثا سياسيا فقط، بل كانت محاولة جريئة لإعادة تعريف الإنسان. أما المباراة الكبرى، فهي إعادة تمثيل لهذه المحاولة على مسرح مختلف. هنا لا تُرفع المقصلة، بل تُرفع الكؤوس. لا تسيل الدماء، بل تتساقط الدموع، ومع ذلك يبقى السؤال ذاته: من نحن حين ننتصر؟ ومن نصبح حين نخسر؟
الهوية ليست علما يرفرف فوق القصور، ولا نشيدا يردده الجمهور قبل انطلاق المباراة. الهوية نهر لا يتوقف عن تبديل مياهه. إنها ذلك الشعور الغامض الذي يجعل مهاجرا يهتف لفرنسا كما يهتف ابن باريس، ويجعل وجوها جاءت من إفريقيا وآسيا وأوروبا والكاريبي تلتقي تحت لون واحد، ولو لساعتين فقط. كرة القدم لا تلغي الاختلافات، لكنها تمنحها لغة مؤقتة، لغة لا تحتاج إلى ترجمة سوى نبض القلب. ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن الجمهورية التي ولدت من الثورة لا تزال، بعد قرون، تبحث عن نفسها في كل احتفال. فالألعاب النارية ليست إعلانا عن اكتمال الوطن، بل اعترافا بأن الوطن مشروع لم يكتمل بعد. وكل شرارة تضيء سماء باريس تنطفئ سريعا، كأنها تهمس بأن المجد أيضا قابل للزوال، وأن الضوء لا يصبح جميلا إلا لأنه يعرف موعد انطفائه.

هناك أسطورة قديمة تقول إن المدن تمتلك روحا لا يراها أحد. ولو كان لباريس أن تتكلم في هذه الليلة، لما تحدثت عن الجنرالات ولا عن الرؤساء، بل عن ملايين الخطوات التي عبرت جسورها وهي تبحث عن معنى. كانت ستقول إن الباستيل لم يسقط مرة واحدة، بل يسقط كل يوم داخل الإنسان، كلما تحرر من خوف، أو وقع في خوف جديد. وفي الجهة الأخرى من الحلم، يقف اللاعب قبل إطلاق صافرة البداية. يبدو وحيداً رغم ضجيج المدرجات. يحدق في العشب كما يحدق الفيلسوف في هاوية الأسئلة. يعلم أن العالم سيختصر تاريخه كله في تسعين دقيقة، وأن الخلود قد يكون مجرد كرة تعبر خط المرمى، أو كرة تلامس القائم وتضيع إلى الأبد.

هكذا تتشابه الثورات والمباريات أكثر مما نعتقد. كلتاهما تبدأ بوعد، وتستمر بأمل، وتنتهي بحكاية يكتبها المنتصر، بينما يحتفظ المهزوم بالحقيقة الأكثر مرارة: أن الزمن لا يمنح أحداً حق الاحتفاظ بالمجد. وعندما تنطفئ الألعاب النارية، ويغادر الجمهور الساحات، وتعود صفارات الشرطة إلى صمتها، سيبقى شيء واحد لا يمكن للدولة أن تحرسه، ولا للكرة أن تمنحه، ولا للتاريخ أن يفسره كاملاً: ذلك الفراغ الصغير الذي يسكن الإنسان بعد انتهاء كل احتفال، حين يكتشف أن الأوطان، مثل الأحلام، ليست أماكن نصل إليها، بل أسئلة نمضي داخلها. وربما لهذا السبب لا يكون الرابع عشر من يوليو 2026 مجرد ذكرى لثورة، ولا مجرد ليلة مباراة كبرى، بل مرآة هائلة يرى فيها الإنسان وجهه وهو يتبدل باستمرار. ففي نهاية المطاف، ليست فرنسا هي التي تبحث عن انتصار جديد، بل الإنسان نفسه، منذ فجر التاريخ، يطارد وهماً قديماً اسمه المعنى. وما بين دخان الألعاب النارية، وهتافات الملاعب، وخطوات رجال الأمن، يبقى الصمت هو البطل الحقيقي. ذلك الصمت الذي لا يراه أحد، لكنه يبتلع كل الأصوات بعد انطفائها، ويترك العالم معلقاً بين وجود لم يكتمل، وعدمٍ لا يكف عن الابتسام.
📲 Partager sur WhatsApp