إيمانويل ماكرون يحذّر من معاداة السامية

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء- باريس

هناك أسماء لا تنتمي إلى أصحابها، بل إلى ضمير الإنسانية. وألفريد دريفوس واحد من تلك الأسماء التي تحولت من رجل إلى سؤال، ومن ضابط في الجيش الفرنسي إلى محكمة لا تزال تحاكم ضمير العالم بعد أكثر من قرن. قد يظن البعض أن قضية دريفوس انتهت في الثاني عشر من يوليو سنة 1906، حين اعترفت محكمة النقض الفرنسية ببراءته بعد اثني عشر عاما من الظّلم والنفي والإذلال. لكنّ الحقيقة أكثر قسوة؛ فالأحكام يمكن أن تلغى، أمّا الأفكار التي صنعتها فلا تموت بسهولة.

ولهذا، عندما يقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اليوم محذّرا من “العودة البغيضة لمعاداة السامية”، فهو لا يستحضر التاريخ بوصفه متحفا، بل باعتباره مرآة. فالمرآة لا تعكس الماضي، بل تكشف ما بقي منه مختبئا في وجوه الحاضر. لكن، دعونا نتوقف لحظة… كيف يمكن لعالم يرسل المركبات إلى المريخ أن يعجز عن تجاوز كراهية عمرها آلاف السنين؟ كيف يستطيع الإنسان أن يفك شيفرة الجينات، بينما لا يزال عاجزا عن تفكيك شيفرة التعصب؟ وهل تطوّرت الحضارة فعلا، أم أنّنا استبدلنا أدواتنا فقط، بينما بقيت غرائزنا الأولى كما هي؟

قضية دريفوس لم تكن خطأ قضائيا فحسب. كانت لحظة انكشفت فيها هشاشة العدالة عندما تستسلم للخوف، وكيف يمكن للرأي العام أن يتحول إلى محكمة، وللصحافة إلى مقصلة، وللهوية الدينية إلى تهمة. لقد أُدين الرجل لأن كثيرين كانوا يريدون مذنبا، لا لأن الحقيقة كانت ضده. وهنا يبدأ الرعب الحقيقي. حين تصبح الحقيقة أقل أهمية من الحاجة إلى عدو. وحين تتحوّل الأقلية إلى كبش فداء يريح ضمير الأغلبية. إنها الآلية نفسها التي تتكرر في كل الأزمنة، وإن تبدلت الأسماء. مرة يكون الضحية يهوديا، ومرة مسلما، ومرة مهاجرا، ومرة أسود البشرة، ومرة غريبا لا يشبه الجماعة. أمّا المنطق فهو واحد: ابحث عن المختلف، ثم حمّله أوزار العالم.

أليست هذه هي أقدم حيلة عرفتها السياسة؟ كلّما عجزت المجتمعات عن تفسير أزماتها، بحثت عن وجه تعلّق عليه خوفها. وكأنّ الإنسان يحتاج دائما إلى “آخر” يتّهمه، ليهرب من مواجهة عيوبه. لهذا لم يكن إميل زولا يدافع عن دريفوس وحده عندما كتب: “إنّي أتهم.” كان يدافع عن فكرة أخطر بكثير: أنّ العدالة لا تحدّد برضا الجماهير، بل بشجاعة الوقوف في وجهها عندما تخطئ. ولعلّ هذا هو معنى “الدريفوسية” الحقيقي، كما أشار إليه ماكرون: ليست ذكرى تاريخيّة، بل موقف أخلاقي دائم؛ أن ترفض أن تتحول ديّانة الإنسان أو أصله أو هويته إلى دليل إدانة. لكن السؤال الأكثر إرباكا هو: هل الكراهية تولد من الجهل؟ أم أنّ الجهل نفسه ابن للكراهية؟

لقد عاش اليهود في أوروبا قرونا وهم يساهمون في بناء العلوم والفنون والاقتصاد، ومع ذلك لم يشفع لهم ذلك أمام أوهام التعصب. لأن العنصرية لا تبحث عن الحقيقة، بل تبحث عما يؤكد أوهامها. إنّها لا ترى الإنسان كما هو، بل كما تريد له أن يكون. ومن هنا تبدأ المأساة. فالتاريخ لا يعيد نفسه بالطريقة ذاتها، لكنه يعيد منطقه. ليس ضروريا أن يعود سجن جزيرة الشيطان، ولا أن تعود المحاكم العسكرية، حتى نقول إن دريفوس عاد. يكفي أن يعود الشك في إنسان بسبب اسمه. يكفي أن يصبح الدّين سببا للخوف. يكفي أن تتحول الهوية إلى تهمة. هناك فقط… يولد دريفوس من جديد. وتخبرنا الأساطير أنّ الوحوش لا تموت عندما تهزم، بل عندما يتوقف البشر عن الإيمان بها. أما وحش الكراهية، فما يزال يجد من يطعمه كل يوم، بخطاب شعبوي هنا، ومنشور محرض هناك، وصمتٍ يتواطأ أكثر مما يتكلم. إن أخطر ما في معاداة السامية، كما في كل أشكال العنصرية، أنها لا تتوقف عند ضحاياها. إنها تفسد المجتمع كله. تجعل العدالة انتقائية، والقانون هشاً، والذاكرة قابلة للمساومة. وحين يحدث ذلك، لا يعود السؤال: من هو الضحية؟ بل: من سيكون الضحية التالية؟

وربما لهذا السبب لا ينبغي أن نتذكر دريفوس بدافع الشفقة، بل بدافع الخوف على أنفسنا. لأن القضية لم تكن عن رجل واحد. كانت عن قابلية الإنسان لأن يصدق الكذبة إذا وافقت تحيزاته. وعن قابلية المؤسسات لأن تنحني أمام ضغط الرأي العام. وعن هشاشة الحضارة حين تنسى أن العدالة لا تحمي الأقوياء فقط، بل تبدأ بحماية الأضعف. فلا يكون السؤال: هل انتهت قضية دريفوس؟ بل: هل انتهى الإنسان من محاكمة أخيه الإنسان بسبب هويته؟ إذا كانت الإجابة نعم، فلماذا تعود معاداة السامية؟ ولماذا تعود العنصرية؟ ولماذا يعود التعصب بأسماء جديدة كلّما ظننا أنّنا دفناه؟ ربّما لأنّ التّقدم ليس أن نبني محاكم أعظم، بل أن نبني ضميرا لا يحتاج في كل جيل إلى دريفوس جديد ليكتشف معنى العدالة. وربّما لهذا ستبقى قضية دريفوس حيّة، لا لأنّها صفحة من التاريخ الفرنسي، بل لأنّها امتحان دائم للإنسانية كلها. فالعدالة ليست نصبا تذكاريا نضع عنده الزهور مرة في السنة. العدالة قرار يومي. والذّاكرة ليست احتفالا بالماضي. إنّها الحارس الأخير الذي يقف بين الحضارة… وبين عودة الهاوية.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *