بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
هناك جمل لا تقال لتصف الواقع، بل لتكشف ما يختبئ في قاع قائلها. وحين كتب رئيس الوزراء الإسباني السابق ماريانو راخوي أن المنتخب الفرنسي هو فريق “بلا فرنسيين”، لم يكن يتحدث عن كرة القدم، بل كان يحاكم التاريخ نفسه. كانت الكرة مجرد ذريعة، أما المحاكمة فكانت موجهة إلى فكرة الإنسان حين يعبر الحدود، ويصير الوطن أوسع من لون الجلد، وأعمق من شجرة النسب. إنها الجملة نفسها التي تتنكر في كل عصر بثوب جديد. سمعناها من قبل، بصيغ مختلفة، في خطابات إريك زمور، وفي أصوات كثيرة اعتقدت أن الهوية قلعة حجر، لا نهر حياة. لكنها تنسى أن الأنهار هي التي تصنع الحضارات، أما القلاع فلا تفعل سوى انتظار الخراب. ما أغرب الإنسان! يبني الدول على فكرة المواطنة، ثم يعود ليهدمها بسؤال اللون. يكتب الدساتير باسم المساواة، ثم يقرأ الوجوه كما لو كانت جوازات سفر. كأن البشرة أصبحت نصا سياسيا، بينما الروح، بكل ما تحمله من ولاء وعطاء وذاكرة، لم تعد تكفي لإثبات الانتماء.
المنتخب الفرنسي ليس فريقا “بلا فرنسيين”، بل هو فرنسا وهي تتأمل نفسها في مرآة القرن الحادي والعشرين. فرنسا التي خرجت من الثورة وهي تعلن أن الإنسان يولد حرا ومتساويا، لا أن يولد أبيض أو أسود أو عربياً أو إفريقياً. فرنسا التي كتبت على جدران جمهوريتها ثلاث كلمات لم تسأل يوما عن لون من ينطق بها: الحرية، المساواة، الإخاء. إن الذين يرون الوطن في لون البشرة يشبهون أولئك الذين يظنون أن البحر هو الزبد الذي يطفو على سطحه. إنهم لا يرون الأعماق. لأنّ الوطن، في حقيقته، ليس جغرافيا، بل ذاكرة مشتركة. ليس دما نقيا، بل مصيرا يتقاسمه المختلفون. وليس وجها واحدا، بل آلاف الوجوه التي تتقاطع لتصنع ملامح أمة.

ولذلك تبدو العنصرية دائما فقيرة الخيال. إنها لا تستطيع أن ترى الإنسان إلا كتصنيف، ولا الوطن إلا كقبيلة كبيرة، ولا التاريخ إلا كسجل أنساب. إنّها تخاف من الاختلاط، لأنّ الاختلاط يفضح هشاشة يقينها، ويكشف أنّ الهوية ليست تمثالا من رخام، بل شجرة لا تكبر إلا إذا امتدت جذورها في أكثر من تربة. كرة القدم نفسها تعلّمنا هذا الدرس كل مساء. الكرة لا تسأل القدم التي تلمسها عن أصلها، ولا المرمى يميز بين هدف سجله مهاجر أو ابن مدينة قديمة. وحدها الشباك تعرف الحقيقة الوحيدة: أن الإبداع لا يملك لونا، وأن العبقرية لا تحمل شهادة نسب.
ولعل أكثر ما يثير الأسى أن أوروبا، التي أنجبت فلسفات الأنوار، لا تزال بين حين وآخر تستدعي أشباح الكهوف. كأن التاريخ، كلما تقدم خطوة، خرجت من ظله أصوات تريد إعادته إلى الوراء. أصوات تستبدل سؤال العدالة بسؤال العِرق، وسؤال المواطنة بسؤال الأصل، وسؤال الإنسان بسؤال السلالة. لكن التاريخ لا يعود إلى الوراء. إنّه يسير، وإن تعثر، نحو اتساع الإنسان. وحين يقف كيليان مبابي، أو عثمان ديمبيلي، أو أوريليان تشواميني، أو إبراهيما كوناتي مرتدين القميص الأزرق، فإنهم لا يمثلون انتصار لون على آخر، بل يمثلون انتصار فكرة على وهم. فكرة أن الوطن يمكن أن يكون بيتاً لكل من يؤمن به، لا لكل من يشبه صورته القديمة.

ولهذا أثارت كلمات راخوي غضبا واسعا في فرنسا؛ لأنّها لم تقرأ باعتبارها تعليقا رياضيا، بل باعتبارها جرحا قديما أعاد فتح نفسه. جرحا يعرفه كل من اضطر يوما إلى أن يثبت أنه ينتمي إلى المكان الذي يحب، فقط لأن ملامحه لا توافق خيال الآخرين. والعنصرية، في جوهرها، ليست كراهية للآخر فحسب، بل هي خوف من اتساع العالم. إنها محاولة يائسة لتجميد الحياة، بينما الحياة لا تعرف إلا الحركة. كل طفل يولد يحمل احتمالا جديدا للإنسان، وكل هجرة تضيف صفحة إلى كتاب الحضارة، وكل لقاء بين ثقافتين يخلق لغة ثالثة لا تشبه أيّامنهما، لكنها تغنيهما معا.
تخبرنا الأساطير أن طائر الفينيق يولد من رماده. أما الأمم، فإنها تولد من قدرتها على تحويل اختلاف أبنائها إلى قوة، لا إلى لعنة. فرنسا لم تصبح أقل فرنسية لأنها متعددة الوجوه، بل أصبحت أكثر وفاء لفكرتها الأولى: أنّ الجمهورية لا تسأل الإنسان من أين جاء، بل ماذا يحمل لوطنه. أمّا الذين يبحثون عن “فرنسي نقي”، أو “إسباني نقي”، أو “أوروبي نقي”، فهم يطاردون شبحا لم يوجد قط. فكلّ أمّة، إذا أزيلت عنها طبقات التاريخ، ستكتشف أنّها ولدت من اختلاط البحار، ومن هجرات البشر، ومن المصادفات التي صنعت الحضارات.

ليست المشكلة في تصريح ، مهما كان صاحبه، بل في المرآة التي كشفها. لقد أعاد إلى السطح السؤال القديم: هل نقيس الإنسان بملامحه، أم بأفعاله؟ وهل الوطن اسم للدّم، أم اسم للقيم؟ وربما يكون الجواب في تلك اللحظة التي يقف فيها أحد عشر لاعبا تحت علم واحد، بينما يهتف لهم ملايين لا يعرفون أسماء أجدادهم، لكنهم يعرفون معنى أن يكون القلب قادرا على احتضان الجميع. هناك، فقط، تنتصر العدالة على الأسطورة الزّائفة، وينهزم العِرق أمام الإنسان، وتكتشف الهوية أنها ليست جدارا يقصي الآخرين، بل جسرا يعبر عليه الجميع نحو مستقبل أكثر رحابة. وعندما يطلق الحكم صافرة البداية، تسقط كلّ الأقنعة. لا يبقى على العشب سوى الإنسان، عاريا من أوهامه، يحمل اسما واحدا لا يحتاج إلى لون ولا إلى نسب… اسمه الكرامة.
📲 Partager sur WhatsApp
مع تصاعد الأنوار المظلمة، يعاد الجدل بصدد إشكالات الغيرية في مختلف ابعادها.
مع سطوة الشعبوية المستوردة بتلك الأنوار، أمسى اللون علامة يلزم وضع صاحبها في عين فواهة المراقبة، إلى أن يثبت براءته من جرم لم يرتكبها. هكذا هو حال ذوي الأصول لما وراء البحار: هم في وضع المتهم بشيء لم يرتكبها، على حد تعبير الروائي كونديرا.