بقلم زكية لعروسي, ميرة جرية الورقاء-باريس
لم يعد السؤال اليوم: ماذا نأكل؟ بل: ماذا يأكل ما نأكله؟ كأن الحضارة، بعد أن أتقنت صناعة الوفرة، نسيت أن تصنع الطمأنينة. فما قيمة المائدة إذا كانت الشكوك تجلس إليها قبل الجالسين؟ وما قيمة العسل، وهو أقدم استعارات الصفاء في الذاكرة الإنسانية، إذا أصبح يحمل في أعماقه ظلال المختبرات، وآثار الحقول التي لم تعد تعرف الفرق بين حماية الزرع ومطاردة الحياة نفسها؟
حين نقرأ أن تحاليل كشفت آثارا لمبيدات في بعض أنواع العسل ومنتجات غذائية شهيرة، حتى وإن بقيت ضمن الحدود القانونية، لا ينبغي أن يتوقف وعينا عند الأرقام وحدها. فالأرقام تطمئن القانون، لكنها لا تطفئ قلق الفلسفة. إن السؤال الحقيقي ليس: كم تبلغ النسبة؟ بل: كيف أصبح وجود المبيد في غذائنا أمرا قابلا للنقاش أصلا؟ لقد كان أجدادنا يرفعون قطعة الخبز إذا سقطت على الأرض، لأنّهم رأوا فيها بركة الحياة. أمّا نحن، فنرفعها إلى المختبر، نسألها: ماذا يختبئ في داخلك؟ لم يكن آباؤنا ينظرون إلى بطون الطعام، لأنّ الثّقة كانت جزءا من الغذاء نفسه. اليوم لم نعد نأكل الثمار وحدها، بل نأكل تاريخ زراعتها، وكيمياء نموّها، وسياسات الأسواق، ومصالح الشركات، وصراعات الاقتصاد العالمي.

إنّ الحضارة الحديثة لم تكتف بإعادة تشكيل المدن، بل أعادت تشكيل النحلة أيضا. النحلة التي كانت في الأساطير رسولا بين السماء والأرض، وصانعة لذهب سائل لا تصنعه المصانع، أصبحت اليوم تعبر حقولا محاصرة بالكيمياء. وكأنّ الإنسان لم يعد يترك للطبيعة فرصة كي تكتب قصيدتها، بل صار يملي عليها مفرداتها، ثم يتساءل بدهشة: لماذا تغيّر طعم العسل؟ في الميثولوجيا القديمة كان الرحيق غذاء الآلهة. أمّا في ميثولوجيا القرن الحادي والعشرين، فقد صار الرحيق ملفا تنظيميا، وقرارا أوروبيا، ونشرة مخبرية، وجدالا بين خبراء السموم والاقتصاد. هكذا تنتقل الأشياء من قدسيتها إلى بيروقراطيتها، ومن رمزيتها إلى جداول القياس.

لكن المأساة لا تكمن في المبيد وحده، بل في الفكرة التي أنتجته. لقد أقنعتنا الحداثة أن كل مشكلة في الطبيعة تحتاج إلى مادة أقوى منها. حشرة؟ نصنع سمًّا. مقاومة للحشرة؟ نصنع سمّا أشد. ثم نقضي العمر كله نطارد آثار السموم التي صنعناها بأيدينا. إنها الحضارة التي تعالج الجرح بسكين أكثر حدّة. ولعل أكثر ما يثير التأمل أن الإنسان الحديث أصبح يخاف مما صنعه أكثر مما يخاف مما خلقته الطبيعة. فالذئب لم يعد يهدد القرى، لكن جزيئا مجهريا قد يثير قلق قارة بأكملها. لقد تبدلت الوحوش؛ خرجت من الغابات، وسكنت الجزيئات غير المرئية.
إن القضية، في جوهرها، ليست قضية غذاء، بل قضية ثقة. حين تهتز الثقة في العسل، فإن شيئا أعمق من العسل يهتز. تهتز العلاقة بين الإنسان والأرض، بين الفلاح والمستهلك، بين العلم والضمير، بين القانون والأخلاق. فالقانون يستطيع أن يقول إن النسبة مقبولة، لكن الضمير يظل يسأل: وهل كل ما هو قانوني مطمئن؟ ربّما لهذا السبب يبدو النحل اليوم وكأنه آخر الفلاسفة. فهو لا يعرف السياسة، ولا يقرأ تقارير المختبرات، ولا يفهم لغة الأسواق، لكنه يدرك بغريزته أن اختلال الزهرة يعني اختلال العالم كله. النحل لا ينتج العسل فقط؛ إنه يقيس صحة الحضارة. والتاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تسقط دائمًا بالحروب. أحيانًا تبدأ نهايتها حين تنفصل عن إيقاع الطبيعة، فتتوهم أن التقنية تستطيع أن تعوض الحكمة، وأن المختبر يستطيع أن يرث الحقل، وأن الوفرة تستطيع أن تحل محل البركة.

ليس الخوف إذن من أثر مبيد هنا أو هناك، بل من اعتياد الإنسان على فكرة أن كل شيء يمكن أن يحمل أثرا خفيا: الماء، والهواء، والعسل، وحتى اللغة نفسها. فكما تتسلل الجزيئات إلى الغذاء، تتسلل أيضا إلى الوعي أفكار تجعلنا نقبل الاستثناء حتى يصبح قاعدة، ونعتاد القلق حتى يغدو أسلوب حياة. ربما لن يكون السؤال الذي سيطرحه أحفادنا: هل كانت الأغذية آمنة؟ بل سيقولون بدهشة: كيف رضيتم أن تبحثوا عن الطمأنينة في تقارير المختبرات بعدما كانت تسكن الحقول؟ وعندها سندرك أن القضية لم تكن يوما في العسل، ولا في النوتيلا، ولا في اسم مبيدٍ معقد، بل في الإنسان نفسه؛ ذلك الكائن الذي ظن أنه حين أخضع الطبيعة لسلطانه أصبح سيدها، فإذا به يكتشف متأخرا أنه فقد القدرة على تذوق أبسط معانيها: مذاق الثقة.
📲 Partager sur WhatsApp