عبد الله شوكا, كاتب وصحافي – المغرب
لم يعد الجدل الدائر حول النقل عبر التطبيقات الذكية في المغرب مجرد خلاف مهني بين سائقي سيارات الأجرة ومن يشتغلون عبر تطبيقات من قبيل “إندرايف”، بل تحول إلى قضية عمومية تمس الحق في التنقل، وتختبر قدرة الدولة على مواكبة التحولات التي تفرضها الثورة الرقمية على سوق الخدمات. فما يجري اليوم يكشف عن مفارقة لافتة؛ إذ يعيش المغرب مرحلة تتزايد فيها الكثافة السكانية وتتسارع فيها وتيرة التمدد العمراني، بينما ما تزال منظومة النقل، في كثير من المناطق، عاجزة عن تلبية حاجيات المواطنين. فالقطارات لا تصل إلى عدد كبير من المدن الصغرى والقرى، وشبكات الحافلات تعاني اختلالات متفاوتة، كما أن سيارات الأجرة، على أهميتها، لم تعد وحدها قادرة على استيعاب الطلب المتزايد على خدمات التنقل.
في هذا السياق، برزت تطبيقات النقل الذكي باعتبارها استجابة لواقع جديد فرضته التكنولوجيا وتغير أنماط الحياة. وقد أصبحت هذه التطبيقات جزءًا من المنظومة القانونية والاقتصادية في العديد من الدول، بعد إخضاعها لأطر تنظيمية واضحة تحفظ حقوق السائقين والركاب والدولة على السواء. أما في المغرب، فما يزال هذا النشاط يتحرك داخل منطقة رمادية؛ فهو موجود بحكم الواقع، لكنه لم يحظ بعد بإطار قانوني ينظم ممارسته بصورة واضحة. هذه الوضعية تخلق احتقانا مستمرا بين العاملين في القطاع التقليدي والعاملين عبر التطبيقات، وتفتح الباب أمام توترات ومواجهات كان بالإمكان تفاديها لو وُجد إطار تشريعي يحدد الحقوق والواجبات ويضمن تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين. كما أن غياب التنظيم القانوني يترك العاملين عبر هذه التطبيقات عرضة للمساءلة القانونية بتهمة النقل غير المرخص، في الوقت الذي شهدت فيه بعض الوقائع اعتداءات ومواجهات أثارت نقاشًا واسعًا في الرأي العام.

إن مسؤولية الدولة اليوم لا تكمن في الانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك، وإنما في بناء منظومة نقل حديثة تستوعب الجميع. فالمطلوب ليس إقصاء سيارات الأجرة التي شكلت لعقود ركيزة أساسية في خدمة المواطنين، ولا ترك النقل عبر التطبيقات خارج أي إطار قانوني، وإنما إيجاد صيغة تنظيمية عادلة تضمن المنافسة المشروعة، وتحمي المهنيين، وتوفر للمستهلك خدمة آمنة وذات جودة. ولا ينبغي النظر إلى النقل عبر التطبيقات باعتباره خصما لقطاع سيارات الأجرة، بل باعتباره أحد مكونات منظومة نقل متعددة الوسائط، قادرة على الاستجابة لحاجيات مجتمع يتغير بسرعة. فالتجارب الدولية أثبتت أن التقنين الرشيد، لا المنع، هو السبيل الأمثل لتجاوز الصراعات وتحويل التكنولوجيا إلى فرصة للتنمية.
ثم إن تنظيم هذا القطاع قد يفتح آفاقا اقتصادية واعدة، من خلال خلق فرص عمل جديدة، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتشجيع الاستثمار في الاقتصاد الرقمي، مع منح المواطن خيارات أكثر في التنقل، من حيث الجودة والكلفة والسرعة. لقد تغير العالم، ولم تعد الخدمات العمومية بمنأى عن التحول الرقمي. ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ينبغي السماح بالنقل عبر التطبيقات؟ بل أصبح: كيف يمكن تنظيمه بما يخدم المصلحة العامة ويحفظ حقوق جميع الأطراف؟ إن الحكمة التشريعية هي بقدرتها على استيعابها وتأطيرها. والتاريخ يعلمنا أنّ التكنولوجيا لا تنتظر المتردّدين، وأنّ القوانين التي تتأخر عن مواكبة الواقع لا تمنع التغيير، بل تتركه يحدث خارج مؤسسات الدولة. إنّ المغرب اليوم أمام فرصة لصياغة نموذج متوازن يوفق بين حماية المهنيين التقليديين، وتشجيع الابتكار، وصون حقّ المواطن في تنقل كريم وآمن. وهي معادلة قد تبدو صعبة، لكنها ليست مستحيلة إذا توافرت الإرادة السياسية والرؤية الاستشرافية.
📲 Partager sur WhatsApp