بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
التاريخ لا يكتبه الحكام وحدهم. ولو كان الأمر كذلك، لما بقي من المعتصم سوى اسمه على صفحة الخلافة، ولما بقي من أبي الهيثم إلا رقم في سجلّ المجرمين. غير أنّ التاريخ أكثر مكرا من السلاطين، وأكثر عدلا من المحاكم. إنّه يختار أبطاله من حيث لا ينتظر أحد. في صباح بغداد، حين كانت الدولة العباسية في أوج سلطانها، لم يكن المشهد مجرد محاكمة فقيه، بل كان امتحانا لضمير أمة. وقف الإمام أحمد بن حنبل مكبّلا، لا يحمل سيفا ولا جيشا، وإنّما يحمل كلمة واحدة رفض أن يبيعها. وعلى الجانب الآخر جلس المعتصم، تحيط به السلطة والقضاة والسياط، يظن أن الحقيقة يمكن أن تُجلد حتى تعترف بما يريد الحاكم أن تسمعه. لكن التاريخ، كعادته، كان يخبئ مفاجأته خارج القصر.
وقبل أن تهوي السياط على ظهر الإمام، اقترب منه رجل لا يشبه العلماء، ولا يشبه الأوليّاء، ولا يحمل في سيرته ما يدعو إلى الفخر. كان لصا، عيّارا، من أولئك الذين كتبت أسماؤهم في دفاتر العقوبات أكثر مما كتبت في دفاتر الفضائل. قال له بهدوء أربك الموقف كلّه:
“أنا أبو الهيثم العيّار… ضُربتُ آلاف السياط في طاعة الشيطان لأجل الدّنيا، فاصبر أنتَ في طاعة الرّحمن لأجل الدّين.”

في تلك اللحظة، تبدّلت الأدوار. أصبح اللص واعظا. وأصبح الفقيه مستمعا. وأصبحت الزنزانة مدرسة لا يدرّس فيها الفقه، بل يدرّس فيها معنى الثبات. ما أغرب الإنسان! قد يحمل شيخ عمامة ولا يملك كلمة يقولها ساعة الخوف، وقد يحمل لصٌ قيوده ويمنح عالما شجاعة تعيش ألف عام. إنّ أبا الهيثم لم يكن يدافع عن عقيدة الإمام، وربّما لم يكن يحسن الجدل في مسائل الكلام أصلا. لكنّه أدرك بفطرته حقيقة عجز عنها كثير من المتكلمين: أن الصبر لا يُقاس بسبب المعصية أو الطاعة، بل بقوة الإرادة التي يحتمل بها الإنسان الألم. لقد عرف الألم أكثر من الفقه. ولذلك استطاع أن يعلّم الفقيه درسا في احتمال الوجع. أمّا المعتصم، فقد ظن أنّ السلطة تستطيع أن تنتصر بالسياط. وهذا هو الوهم الأبدي . فالسّوط لا يغير القناعات، بل يكشف المعادن. وما إن انقضت المحنة حتى بقي الإمام أحمد إماما للمذهب، وصار المعتصم فصلا من فصول تلك المحنة، بينما خرج أبو الهيثم من ظلمة السجن إلى نور الذاكرة، لا لأنّه كان صالحا، بل لأنه نطق في اللحظة المناسبة بجملة هزمت آلاف السياط.
وهنا تكمن عبقرية التاريخ. إنّه لا يمنح الخلود لمن كان بلا خطيئة، بل لمن استطاع، ولو مرّة واحدة، أن ينتصر على ضعفه. ولذلك لم يكن الإمام أحمد ينسى أبا الهيثم، وكان يدعو له كلما تذكر تلك المحنة. لأنّ الكلمات العظيمة لا يشترط أن تخرج من أفواه العظماء. أحيانا يختبئ الحكيم داخل اللّص. ويولد القديس، للحظة عابرة، في قلب رجل أضاع عمره كلّه، ثم ربحه بجملة واحدة. وهكذا، لم ينتصر أبو الهيثم على المعتصم، ولم ينتصر أحمد بن حنبل على الجلادين فحسب؛ بل انتصرت الحقيقة الأعمق: أن الإنسان لا يختزل في ماضيه، وأنّ كلمة صادقة قد ترفع صاحبها فوق تاريخ كامل من السقوط. إنّها ليست قصة فقيه ولص. إنّها قصة الإنسان حين يكتشف، في أكثر لحظات الظّلام، أنّ النور قد يأتيه من اليد التي لم يكن يتوقعها أبدا.
📲 Partager sur WhatsApp