الفلسفة ليست ابنة عِرق، بل ابنة الريح

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

هناك أفكار لا تموت لأنها صحيحة، بل لأنها تعرف كيف تتخفّى. تبدّل أسماءها كما تبدّل الأفاعي جلودها، لكنها تحتفظ بالسمّ ذاته. كانت تسمّى قديما “نقاء الدم”، ثم أصبحت “صفاء الهوية”، ثم “أصالة الحضارة”، وفي كل مرة ترتدي قناعا جديدا لتقنع العقول بأن العبقرية شجرة لا تنبت إلا في تربة مغلقة، وأنّ الفكر يحتاج إلى أسوار أكثر مما يحتاج إلى آفاق. غير أن التاريخ، ذلك القاضي الذي لا يقبل الرشوة، يضحك كلّما سمع هذه الدعوى.

إن الحضارات العظيمة لا تولد في القلاع، بل في الموانئ. الميناء هو العضو السري في جسد التاريخ؛ رئة تتنفس بها الأمم هواء الآخرين. كل سفينة تدخل إليه تحمل بضائع، نعم، لكنها تحمل أيضًا استعارات جديدة، وأسئلة جديدة، وآلهة جديدة، وطرائق أخرى للنظر إلى السماء. ولذلك لم تكن الموانئ مجرد أماكن للتجارة، بل مختبرات كونية لإعادة تركيب العقل الإنساني. ومن هنا ليست المصادفة أن ينسب ظهور الفلسفة إلى مدينة مثل ميليتوس، تلك المدينة الأيونية المفتوحة على المتوسط، المتشابكة مع طرق التجارة والثقافات الشرقية والمصرية والفينيقية. لم تكن مدينة تحرس نقاءها، بل كانت تحرس أبوابها المفتوحة. لم تكن تخشى الأجنبي، بل كانت تستثمر فيه.

ولذلك يصبح الجدل حول أصل طاليس أكثر من مجرد سؤال تاريخي عن النسب؛ إنه مرآة تكشف مرضًا فكريا أعمق: الحاجة إلى امتلاك العبقرية عرقيًا. لقد ذكرت بعض المصادر القديمة أن طاليس كان ذا أصول فينيقية، بينما يشكك مؤرخون حديثون في ذلك أو يرون الأدلة غير حاسمة. لكن المدهش ليس اختلاف المؤرخين؛ فالاختلاف طبيعي في دراسة العالم القديم. المدهش هو الحماسة التي يتحول بها هذا السؤال أحيانا إلى معركة هوية، وكأن قيمة الفلسفة تتغير تبعا لجواز سفر رجل عاش قبل أكثر من ألفين وخمسمئة عام. كأن الحقيقة الفلسفية تحتاج إلى شهادة ميلاد. وكأنّ البرهان المنطقي يحمل جينات.

هذه هي اللحظة التي يتسلل فيها الوهم العنصري إلى أكثر العقول رهافة، لا بوصفه شتيمة، بل بوصفه منهجا خفيا في التفكير. يصبح الأصل أهم من الفكرة، والدم أهم من البرهان، والنّسب أهم من السؤال. وهنا لا يعود التاريخ علما، بل يتحول إلى محكمة أنساب. لكن الفلسفة منذ ولادتها الأولى أعلنت تمردها على هذه المحكمة. إن السؤال الفلسفي لا يسأل: من أنت؟ بل يسأل: ماذا تقول؟ ولذلك فإنّ محاولة احتكار طاليس، أو أفلاطون، أو أرسطو، أو أيّ عقل آخر داخل حدود الدم، تشبه محاولة حبس الضوء داخل لون واحد. الضوء لا يملك وطنا؛ إنّه يحدث فقط حين تختلط الأطياف. الفكر أيضا لا يملك عرقا. إنّه ظاهرة من ظواهر الاختلاط.

لو كانت العبقرية ثمرة النقاء، لكانت إسبرطة، المدينة التي مجّدت الانغلاق والانضباط العسكري، عاصمة الفلسفة. لكنها لم تكن كذلك. لقد أنجبت الجنود، ولم تنجب سقراطًا. أما المدن المفتوحة، المدن التي كانت تسمع عشر لغات في السوق، وتشاهد عشرين إلها في الميناء، وتستقبل الغرباء كما تستقبل الرياح، فهي التي أنجبت الأسئلة الكبرى. ليس لأن الاختلاط يضمن العبقرية، بل لأنه يكسر يقين القبيلة. والفلسفة لا تبدأ إلا عندما يتصدع اليقين. إن كل حضارة عظيمة تشبه دلتا نهر. لا تتكون من جدول واحد، بل من مئات الروافد. النيل نفسه لا يعرف أي قطرة كانت أولى. والمتوسط لم يكن يوما بحرا يفصل الشعوب، بل كان آلة هائلة لخلطها. لقد كانت أمواجه أكبر مترجم عرفه التاريخ. ولذلك فإن محاولة رسم حدود نقية للحضارات تشبه محاولة رسم حدود للغيوم. الغيوم لا تعترف بالخرائط. والأفكار أيضا.

لننظر, قارئي العزيز, إلى العصر العباسي. لم يكن ازدهاره معجزة نبتت في فراغ، بل كان انفجارا كونيا سببه أنّ بغداد تحولت إلى مركز تلتقي فيه الفارسية باليونانية، والسريانية بالعربية، والهندية بالرياضيات، والطب المصري بالفلك البابلي. لم يكن بيت الحكمة مصنعا لإنتاج هوية واحدة، بل كان فرنا تنصهر فيه الهويات حتى تصبح معرفة. إنّ الحضارة ليست معدنا خالصا. بل هي سبيكة. وكلّما ازدادت عناصرها، ازدادت صلابتها. أمّا نقاء المعادن، فغالبا ما يجعلها هشة. هذه ليست استعارة فقط، بل قانون يكاد يحكم التاريخ كلّه. فالثقافات المغلقة تشبه بركة راكدة؛ تبدو صافية لأنّها لا تتحرك، لكنّها مع الزمن تصبح مستنقعا. أمّا الحضارات المفتوحة فهي أنهار؛ قد تبدو عكرة لأن فيها آلاف الجداول، لكنها وحدها القادرة على الوصول إلى البحر.

ولذلك فإن فكرة “النقاء الحضاري” ليست فقط وهما أخلاقيا، بل هي خطأ معرفي. إنّها تعتقد أن الإبداع عملية توريث. بينما هو في الحقيقة عملية تهجين. كل فكرة عظيمة هي طفل لأبوين لم يكونا يتكلمان اللغة نفسها. بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك. لعل الحضارة نفسها ليست سوى الإسم الذي نطلقه على المسافة التي تقطعها الفكرة وهي تهاجر من رأس إلى رأس. إن الأفكار كائنات مهاجرة. والحدود بالنسبة إليها مجرد خطوط رسمها الخائفون على الورق. لهذا يصبح السؤال: “هل الفلسفة يونانية أم فينيقية أم عربية؟” سؤالا ناقصا منذ البداية. الأدق أن نسأل: كيف استطاعت منطقة المتوسط، بكل تشابكاتها، أن تنتج لحظة عقلية جعلت الإنسان ينظر إلى الكون بعين السؤال بدل عين الأسطورة؟ عندئذ يتحول البحث من نسب الأشخاص إلى نسب الأفكار. ومن الدم إلى اللغة. ومن القبيلة إلى الإنسانية.

الفلسفة لم تولد من رحم عرق نقي. لقد خرجت من زحام الأسواق، ومن ضجيج السفن، ومن احتكاك اللغات، ومن دهشة الإنسان حين اكتشف أن العالم أوسع من قبيلته. ولذلك، كلما ارتفعت الأصوات التي تمجّد النقاء، تذكّر أن النجوم نفسها لا تولد إلا من انفجار، وأن اللؤلؤة لا تتكون إلاّ لأنّ جسد المحارة استقبل جسما غريبا، وأنّ الإنسان لا يصبح حكيما إلا عندما يسمح لفكرة أجنبية أن تعبر حدوده الداخلية. إنّ الحضارة لا تخاف الغريب. الغرابة هي التي تكتب سيرتها. أمّا الذين يبحثون عن عرق نقي للفلسفة، فهم يشبهون من يقف على شاطئ البحر حاملا كأسا صغيرة، ثم يظن أنه إذا احتجز قطرة منها، فقد امتلك البحر كله.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “الفلسفة ليست ابنة عِرق، بل ابنة الريح

  1. مقال يطرق قضية يبدأ بها الدرس الفلسفي مع طلبة الفلسفة الجدد، ما الفلسفة و وقضية ميلادها؟ هل هي ابنة عرق وأرض/ الإغريق، أن أنها ثمرة انفتاح على ثقافات الغير والتعب من علومها ومعارفها؟
    في هذا الصدد هناك من ناقش قيمة الثقافات الشرقية القديمة في هذا الميلاد: مصر القديمة وبلدان آسيا. كان لنيتشه مساهمة في الوقوف على شروط الميلاد لهذا النمط من التفكير وأسلوب الحياة الذي دشن ميلاد ” الغرب” الروحي- الميتافيزيقي.
    ليس هناك ” رسمت الملكية ولدت من عدم” ، بل تتجلى عبقرية الإغريق تكمن في ” العجنة” التي قاموا بها منفتحين على علوم وماعرفت الغرب، ليؤسسور ” النظرية” وبناء” القانون” وآلية التعريف لكل موضوع معرفة ما.
    كان لبيت الحكمة الفضل الكبير في انفتاح الثقافة العربية الإسلامية على العلوم الفلسفية، عبر حركة الترجمة، ما طرح مشكل السلطة العلمية بقوة، الفقيه؟ الحكيم؟ أم لكل حدود لسلطته؟ كان لابن رشد عندنا مرافعة قوية من أجل إعمال العقل الفلسفي في التأويل واستنباط الأحكام: ” فصل المقال….”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *