بقلم: ذ. عبد الرحمن مكاوي– باريس
لم يعد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران مجرد مواجهة عسكرية تقليدية يمكن تفسيرها بمنطق توازن القوى أو حسابات الردع وحدها. فجوهر هذا الصراع يتجاوز حدود الجغرافيا والسيطرة على الارض، ليدخل مجالا اكثر تعقيدا يتمثل في صراع السرديات والرموز والهوية السياسية. ومن هذا المنظور، فإن الحرب لا تدور فقط حول من يمتلك التفوق العسكري، بل حول من ينجح في فرض روايته بوصفها الحقيقة التي تمنح الشرعية وتحدد معنى النصر والهزيمة. وفق قراءة يتبناها عدد من المحللين العسكريين الفرنسيين، فإن الولايات المتحدة تسعى إلى ترسيخ سردية مفادها أن استخدام القوة الحاسمة هو السبيل الوحيد لإعادة الاستقرار وفرض السلام. وفي المقابل، تتمسك إيران بسردية تعتبر أن مقاومة الضغوط الخارجية والرد على الاعتداءات هو الضامن الحقيقي للاستقلال والسيادة. وبين هاتين الرؤيتين تتشكل معادلة صدامية تجعل كل ضربة عسكرية دليلا لدى كل طرف على صحة منطقه، وليس سببا لمراجعة خياراته.
إن اخطر ما في هذا النوع من الصراعات هو أنه لا يمنح مساحة للاعتراف المتبادل بالاضرار التي تلحق بكل طرف. فالولايات المتحدة تنظر إلى عملياتها العسكرية باعتبارها دفاعا عن مصالحها وحلفائها، بينما ترى إيران في تلك العمليات دليلا على استمرار سياسة الهيمنة ومحاولة كسر إرادتها السياسية. وفي المقابل، تعتبر واشنطن أن الردود الإيرانية تؤكد طبيعة التهديد الذي تمثله طهران، في حين تقدمها إيران لشعبها ولحلفائها باعتبارها تعبيرا عن حق مشروع في الدفاع عن النفس. وعندما يغيب الاعتراف المتبادل بالمعاناة والخسائر، يتحول الردع إلى دائرة مغلقة عنوانها: ضربة ثم انتقام ثم ضربة جديدة. وهكذا تصبح الحرب عملية إعادة إنتاج دائمة للعنف، حيث يغذي كل فعل عسكري الفعل الذي يليه، وتتحول القوة من وسيلة لتحقيق السلام إلى عامل يطيل امد المواجهة.
وفي ضوء التطورات التي شهدها عام 2026، والمتمثلة في الضربات الأمريكية والإسرائيلية الواسعة ضد اهداف داخل إيران، وما أعقبها من رد إيراني استهدف قواعد أمريكية في منطقة الخليج، إضافة إلى حادث اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي بحسب الفرضية الواردة في هذا السياق، فإن المنطقة دخلت مرحلة غير مسبوقة من التصعيد. فهذه الاحداث، إذا وضعت ضمن إطارها الجيوسياسي، لا تعكس مجرد تبادل للضربات، وإنما تشير إلى محاولة كل طرف إعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض توازن جديد يقوم على إظهار القدرة على تحمل الكلفة وإيقاعها في الخصم. غير أن التاريخ يعلمنا أن الحروب التي تقوم على الصراع بين السرديات لا تنتهي بسهولة، لأنها لا تحسم بالسيطرة على المدن ولا بتدمير القدرات العسكرية وحدها، وإنما بتغير الإدراك السياسي لدى الاطراف المتصارعة. وعندما يصبح الاعتراف بآلام الخصم مستحيلا، يتحول السلام إلى هدف بعيد، لأن كل طرف يرى نفسه ضحية ويراها الطرف الآخر معتديا.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق بالغ الحساسية. فإما أن تستمر منطق القوة وردود الفعل المتبادلة بما يحمله من مخاطر توسع الصراع إقليميا، وإما أن ينجح الفاعلون الدوليون والإقليميون في بناء مسار سياسي يعيد تعريف الأمن بوصفه مسؤولية مشتركة، لا نتيجة لإخضاع طرف وإذلال آخر. وفي النهاية، قد يكون الوصف الأدق لهذا الصراع أنه ليس حربا على الارض بقدر ما هو حرب على المعنى. فالولايات المتحدة تريد إثبات أن القوة تصنع السلام، بينما تريد إيران إثبات أن المقاومة تصنع الاستقلال. وما دام كل طرف يرفض الاعتراف بجراح الطرف الآخر، فإن دورة الضربة فالانتقام فالضربة ستظل تتكرر، لتصبح الحرب ذاتها جزءا من بنية الصراع، لا مجرد مرحلة عابرة في تاريخه.
📲 Partager sur WhatsApp