ما وراء مضيق هرمز فكرة سياسية لا مجرد جغرافيا

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

في التاريخ لا تصنع المضائق المياه وحدها، بل تصنعها المخاوف التي تعبر فوقها. فالممرات البحرية ليست مجرد شقوق بين اليابسة، وإنما شرايين يضخ عبرها العالم نبض اقتصاده. ولهذا لم يكن مضيق هرمز يوما ممرا للسفن فقط، بل كان مرآة تعكس ميزان القوة العالمي. كل اضطراب فيه لا يهز الخليج وحده، بل يجعل أسواق المال في القارات البعيدة تعيد حساباتها، وكأن موجة صغيرة في الخليج تستطيع أن تربك محيطات الأرض كلها. غير أن ما يحدث اليوم بين دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان يتجاوز إدارة أزمة عابرة. إنه محاولة لإعادة تعريف مفهوم الأمن ذاته. فالأمن لم يعد يعني حماية الحدود فقط، بل حماية التدفقات؛ تدفقات التجارة، والطاقة، والاستثمار، والبيانات، والثقة. وفي عالم أصبحت فيه الثقة أصعب سلعة إنتاجا، لم تعد الدبلوماسية خطابا يلقى على المنابر، بل أصبحت بنية تحتية غير مرئية تحفظ حركة الاقتصاد العالمي.

لقد أدركت أبوظبي ومسقط أن القرن الحادي والعشرين لا يعاقب الدول الضعيفة عسكريا فحسب، بل يعاقب أيضا الدول التي تتوقف فيها حركة البضائع. فالاقتصاد الحديث يشبه كائنا حيا؛ لا يموت بالرصاصة الأولى، وإنما يختنق عندما تتعطل شرايينه. ومن هنا جاء الرهان على أن أفضل وسيلة لمنع الحرب ليست دائما زيادة الأساطيل، وإنما ضمان استمرار حركة السفن. وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فبينما لا تزال قوى دولية كثيرة تفكر بمنطق توازن الرعب، بدأت بعض دول الخليج تفكر بمنطق توازن المصالح. الأول يجعل الخصوم يخشون المواجهة، أما الثاني فيجعلهم يخشون خسارة التعاون. والفارق بين الخوفين هو الفارق بين هدنة مؤقتة وسلام قابل للاستمرار.

إن سلطنة عمان، بتاريخها الطويل في الوساطة، تتحرك كما يتحرك الضوء؛ لا يعلن عن نفسه، لكنه يكشف الطريق. أما الإمارات فتتحرك كقوة اقتصادية تعرف أن النفوذ الحديث لا يقاس بعدد البيانات السياسية، بل بعدد الموانئ التي لا يستطيع العالم الاستغناء عنها. وهكذا تتوزع الأدوار بين الحكمة الهادئة والقوة الاقتصادية، فتولد معادلة جديدة لا تقوم على استعراض النفوذ، بل على إنتاج الاستقرار. وليس من قبيل المصادفة أن يتزامن هذا التنسيق مع تسارع مشاريع السكك الحديدية والموانئ والمناطق اللوجستية. فالسكك الحديدية ليست مجرد قضبان من فولاذ، بل خطوط أعصاب تربط المستقبل بالحاضر. وكل محطة قطار جديدة هي في الحقيقة محطة سياسية، لأن البضائع التي تتحرك بسهولة تقلل احتمالات الصراع أكثر مما تفعل كثير من المؤتمرات.

إنّ القطار الخليجي ليس وسيلة نقل، بل فلسفة جديدة للجغرافيا. فهو يعيد تعريف المسافة بين الدول، ويحيل الحدود من خطوط فاصلة إلى نقاط اتصال. وفي السياسة، كما في الفيزياء، كلما زادت نقاط الاتصال قلت احتمالات الانفجار. ولعل التحول الأعمق يكمن في أن الخليج لم يعد ينتظر المبادرات القادمة من القوى الكبرى. لقد بدأ يصنع هندسته الإقليمية بنفسه. وهذه ليست مجرد ثقة بالنفس، بل انتقال من مرحلة التكيف مع النظام الدولي إلى مرحلة المشاركة في صياغته. فالدول التي كانت يوما موضوعا للتنافس أصبحت تدريجيا فاعلا يرسم قواعد اللعبة.

ولذلك فإن مشاريع الهيدروجين الأخضر، والمناطق الصناعية، وسلاسل الإمداد، ليست مشروعات اقتصادية فحسب، بل هي أدوات لإعادة توزيع النفوذ. ففي القرن الماضي كانت براميل النفط تحدد موازين القوى، أما في القرن الحالي فإن الكيلوواط النظيف، والخوارزمية، والميناء الذكي، والممر اللوجستي، أصبحت جميعها وحدات جديدة لقياس المكانة الدولية. إن العالم يدخل عصرا لم تعد فيه الجغرافيا قدرا ثابتا، بل مشروعا هندسيا قابلا لإعادة الابتكار. والموانئ لم تعد نهايات للبحر، بل بدايات للسياسة. وكل سفينة تصل في موعدها هي في الحقيقة انتصار دبلوماسي صامت. وربما لهذا السبب يبدو التحالف الإماراتي العماني مختلفا عن كثير من التحالفات التقليدية. فهو لا يبنى على الخوف من عدو مشترك، بل على الثقة في مستقبل مشترك. والتحالفات التي تنشأ من الخوف تتغير بتغير التهديد، أما التي تنشأ من المصالح فإنها تزداد قوة كلما ازداد الازدهار.

لقد علمتنا الإمبراطوريات القديمة أن من يسيطر على المضائق يملك مفاتيح التجارة. أما القرن الحادي والعشرون فيضيف حقيقة جديدة: من يجعل المضائق آمنة للجميع، يملك مفاتيح الشرعية الدولية. وهكذا، فإن أبوظبي ومسقط لا تنسجان مجرد شبكة من السكك الحديدية والموانئ، بل تنسجان لغة جديدة في العلاقات الدولية، لغة لا تبدأ بالمدافع، بل بالمرافئ، ولا تنتهي بالهدنة، بل بالاعتماد المتبادل. فحين تصبح التجارة أقوى من التوتر، ويتحول الاستثمار إلى ضمانة للاستقرار، تتراجع الجغرافيا العسكرية أمام جغرافيا الازدهار. وفي النهاية، قد لا يكون أعظم إنجاز في الخليج هو أن السفن عبرت مضيق هرمز بسلام، بل أن المنطقة بدأت تعبر، بهدوء وثقة، من عصر توازن القوة إلى عصر توازن المصالح؛ وهناك فقط، يصبح الاستقرار صناعة، لا مصادفة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *