عبد الله شوكا، كاتب وصحافي- المغرب
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، ظل الكون كتابا مفتوحا يثير الفضول ويوقظ في العقل البشري رغبة الاكتشاف. لقد خلق الله هذا الكون في نظام بديع، وجعل للشمس والقمر والكواكب مسارات دقيقة، وجعل الإنسان كائنا باحثا عن المعرفة، لا يكتفي بالمشاهدة، بل يسعى دائما إلى تجاوز حدود المألوف، وطرق أبواب المجهول. ومنذ بدايات العصر الحديث، لم يعد الفضاء مجرد مجال للتأمل الفلسفي، بل تحول إلى ميدان للتنافس بين القوى الكبرى، خصوصا خلال فترة الحرب الباردة، حين أصبح العلم والتكنولوجيا أداتين من أدوات الصراع السياسي والاستراتيجي بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي. لم يكن سباق الفضاء مجرد رحلة بحثية، بل كان أيضا استعراضا للقدرة الصناعية والعسكرية والتقنية، ومحاولة لإثبات التفوق في عالم منقسم بين قوتين عظميين.
في هذا السياق التاريخي جاء برنامج أبولو الأمريكي، الذي بلغ ذروته سنة 1969 مع مهمة أبولو 11، حيث أعلنت الولايات المتحدة نجاح أول هبوط بشري على سطح القمر، في حدث تابعته ملايين العيون عبر شاشات التلفزيون في مختلف أنحاء العالم. كان المشهد استثنائيا بكل المقاييس، فقد ظهر رائد الفضاء نيل أرمسترونغ وهو يخطو فوق سطح القمر، في لحظة اعتبرت واحدة من أكثر اللحظات شهرة في تاريخ البشرية. غير أن ضخامة الحدث وما رافقه من دعاية سياسية وإعلامية جعلا بعض الأصوات تطرح تساؤلات حول حقيقة تلك الرحلة، وظهرت منذ ذلك الحين نظريات تشكك في وقوع الهبوط، مستندة إلى تأويلات لبعض الصور والتسجيلات والظواهر الفيزيائية. وقد وجدت هذه الشكوك رواجا لدى فئات اعتبرت أن السباق الفضائي كان جزءا من حرب دعائية بين الشرق والغرب.
لكن البحث العلمي لا يقوم على الشكوك المجردة، بل على الأدلة القابلة للفحص والتحقق. وإلى اليوم لا توجد أدلة علمية موثوقة تثبت أن هبوط أبولو 11 كان مفبركا، بل على العكس، توجد مجموعة كبيرة من الشواهد العلمية والتقنية التي يعتمد عليها الباحثون في تأكيد وقوع هذه المهمة، من بينها العينات الصخرية التي جلبتها بعثات أبولو من سطح القمر، والعاكسات الليزرية التي وضعت هناك ولا تزال تستخدم في القياسات العلمية، إضافة إلى عمليات التتبع المستقلة للمهمات الفضائية من جهات علمية متعددة خارج الولايات المتحدة.
إن نقد الأحداث التاريخية حق مشروع، بل هو جزء من تطور المعرفة الإنسانية، لكن الفرق كبير بين طرح الأسئلة المشروعة وبين بناء نتائج قطعية لا تستند إلى منهج علمي. فالعلم لا يرفض التساؤل، لكنه يطالب بالدليل، ولا يقبل الأحكام النهائية المبنية فقط على الانطباعات أو الشكوك. كما أن القول بأن علماء المسلمين أجمعوا على استحالة وصول الإنسان إلى القمر هو قول غير دقيق، فلا يوجد إجماع علمي أو ديني معتبر يثبت هذا الادعاء. فقد تعامل علماء ومفكرون مسلمون مع علوم الفضاء باعتبارها مجالا من مجالات البحث في الكون، ورأى كثيرون أن اكتشاف أسرار الخلق لا يتعارض مع الإيمان، بل يمكن أن يكون دافعا للتأمل في عظمة الخالق.
أما التساؤل حول توقف رحلات البشر إلى القمر بعد بعثات أبولو، فلا يمكن اعتباره دليلا على عدم وقوعها. فقد ارتبط الأمر بعوامل سياسية واقتصادية واستراتيجية، إذ تراجع الدافع الأساسي للولايات المتحدة بعد تحقيق الهدف الرمزي في سباق الفضاء، وأصبحت تكلفة الرحلات القمرية مرتفعة مقارنة بالأولويات الأخرى. ثم عادت مشاريع العودة إلى القمر في العقود الأخيرة ضمن برامج جديدة تقودها وكالات فضاء وشركات خاصة. إن تاريخ الإنسان مليء بالإنجازات التي بدت في لحظتها أقرب إلى الخيال، ثم تحولت مع تطور العلم إلى واقع ملموس. والطيران، والاتصالات، واستكشاف أعماق البحار، كلها كانت في مراحل معينة موضع شك واستهجان قبل أن تصبح حقائق يومية.
إن قوة المقال لا تكمن في إثارة الجدل فقط، بل في احترام عقل القارئ، لأن الكلمة التي لا تستند إلى المعرفة تفقد قيمتها مهما كان وقعها، بينما الحقيقة المدعومة بالعلم تمنح القلم مصداقية تتجاوز حدود الزمن. فالصحافة الرصينة لا تبحث عن تصديق فكرة مسبقة، بل تبحث عن الحقيقة أينما كانت، وتضع الوقائع قبل العاطفة، والدليل قبل الادعاء. ويبقى القمر، ذلك الجرم السماوي الذي رافق أحلام البشر منذ القدم، شاهدا على رحلة الإنسان الطويلة نحو المعرفة. رحلة لم تكن خالية من الأخطاء والجدل، لكنها كانت دائما مدفوعة بسؤال واحد: ماذا يوجد خلف حدود ما نعرفه؟
📲 Partager sur WhatsApp