بقلم عبد الله شوكا, كاتب وصحافي- المغرب
مفي زمن غير بعيد، كانت أصوات تتسلل إلى أسماعنا ونحن على فراش النوم قبيل الفجر. أصوات رجال ونساء من شريحة اجتماعية مسحوقة، كانوا يجوبون أزقة المدن وحاراتها، والناس ما زالوا غارقين في سبات الليل، يعرضون تجارتهم البسيطة التي لا تحتاج إلى متجر ولا واجهة، بل إلى صوت قوي يشق سكون الصباح الأول. كان السؤال الذي يراود الذهن في تلك الأيام: هل تستحق هذه التجارة المتواضعة أن يغادر أصحابها دفء الفراش في ساعات البرد القارس، وأن يحملوا بضاعتهم ويتجولوا بها بين الحارات قبل أن تستيقظ المدينة؟ ثم تأتي الإجابة من واقع الحياة، فهؤلاء كانوا يعرفون معنى السعي من أجل لقمة العيش، ويؤمنون بأن الرزق لا يأتي لمن ينتظر، بل لمن يطرق أبوابه، تماما كما يقول المثل الشعبي: “مول المليح باح وراح”.
ومن بين هؤلاء الباعة الذين حفظت الذاكرة أصواتهم، كان بائع النخال، وبائع جافيل، وجامع الخبز. لكل واحد منهم نداء خاص يعلن به عن سلعته، نداء تحول مع مرور الزمن إلى جزء من موسيقى المدينة في ساعات الفجر الأولى. كان بائع النخال يصدح بكلمة واحدة واضحة: “نخال”، وكان بائع جافيل يعلن عن بضاعته بنفس البساطة: “جافيل”. أما النداء الذي ظل لغزا لدى الكثيرين فكان كلمة “إييي”، صوتا ممتدا لا يكشف عن هوية صاحبه ولا عن نوع التجارة التي يحملها. كان الناس يسمعونه ويتساءلون: ماذا يعرض هذا الرجل؟ وما السر وراء هذه الكلمة التي يطلقها في صمت الفجر؟
لم تكن تلك الأصوات مجرد نداءات للبيع والشراء، بل كانت شهادات حية على مرحلة اجتماعية كاملة. كانت أصوات أناس بسطاء ينتمون إلى طبقات كادحة، حملوا مسؤولية إعالة أسرهم، وقاوموا قسوة الأيام بالصبر والقناعة. كانوا يخرجون في الوقت الذي يستريح فيه الآخرون، ويعودون بما يكفي لتوفير حاجات بيوتهم، وشراء الكتب والأدوات المدرسية لأبنائهم، مؤمنين بأن التعليم هو الطريق الأفضل نحو مستقبل مختلف.
لقد كانت تجارة النخال وجافيل وجمع الخبز وغيرها من المهن البسيطة جزءا من ذاكرة المدن المغربية، مرحلة كان فيها الاقتصاد الشعبي يقوم على مبادرات صغيرة، وعلى رجال ونساء صنعوا من القليل سبيلا للحياة. لم تكن بضاعتهم كبيرة، لكنها كانت تحمل قيمة إنسانية عميقة، لأن وراء كل نداء حكاية كفاح، ووراء كل خطوة في الأزقة فجرا قصة صبر وتضحية. تلك فترة زمنية مضت، لكنها بقيت حاضرة في الوجدان، بما حملته من صور إنسانية دافئة، وبما تركته من أصوات لا تزال تتردد في ذاكرة من عاشوا تلك الأيام: أصوات تجارة بسيطة، لكنها كانت تعلن عن عظمة الإنسان حين يصارع ظروفه بكرامة. فقد كانت تلك الأصوات أكثر من مجرد نداءات للبيع، كانت نبض مدينة تستيقظ ببطء، وحكايات رجال ونساء اختاروا طريق الكفاح بدل الاستسلام، وحملوا في أيديهم بضائع بسيطة، لكنهم حملوا في قلوبهم إرادة كبيرة لصناعة حياة كريمة.
📲 Partager sur WhatsApp