منطق اللاّشيء

بقلم الشاعرة زكية لعروسي-باريس

أتعبكِ هذا؟
ِأم تعب من ركضتْ فيك
حتى صار ظلّك يجري قدامك؟
يا من وجدتِ الغمامة تلفظك
كسفنة مصنوعة من نبيذ المرايا
ثم انكشف الأمر:
إن الخطو ليس خطوا
بل خريطة نفْس تتقشر عن جلد الارض
والطريق يمضغ قدميك
كما تمضغ الريح اسما لم ينطق

تعالي…
لن أقول لك: كوني
لأنّ الكون يئس من الأوامر
لن أقول: امشي
فالمشي اختراع قديم للحفرة
سأقول:
انسَلّي كما ينسلّ الماء من الماء
أو كالسّكوت الذي يلد سكوتا آخر لا يُشبَّه

وحين تصلّين…
ستجدين أنّ الوصول
ليس إلا أنّك لم تبدئي قط
وأنّ البداية التي ظننتِها
كانت ذيل نهاية تدخّن في زاوية الجد بنُ مَشيش
وتنظر إليك بعينين من نوع الفجائع الهادئة

أيتها المتكئة على لا شيء
كمن تتكئ على صدى صداه
أتعلمين أنّ الألق الذي غام
كان فقط لغتك التي تركتك؟
والآن…أنت تمشين في اتجاهين
أحدهما يشير إليك بأصبع المرجع
والاآر يكتب اسمك
على جبين الغير الغائب
لكن الغير الغائب هو أنتِ نفسك
حين كنت قبل أن تكوني
أنتِ نفسك التي لم تخترع بعد
كيف تكونين لا شيئا
بلا تعب؟

انظري:
اللاّ شيء ليس فراغا
بل هو امتلاء بما لا يسمى
كالضوء الذي يجهل أنّه ضوء
وكالنّوم الذي يحلم أنّه يقظة
وكالطريق الذي حين تنتهين
يبدأ في الانعطاف نحوك
من جهة لم تكن في الحسبان

يا من ركضت حتى تنفست ظلّك
وصرت لا تميزين
بين نبضك ونبض المسافة
هذا هو المنتهى:
أن تكوني السائلة والمجابة
والألق الغامض
والذي انكشف له أنّ الانكشاف نفسه حجاب آخر
أغلظ من الغمامة الأولى
لأنّه حجاب مصنوع من نوع اليقين
الذي لا يعرف أنّه يقين زائف

فامضي…
لا نحو شيء
ولا عن شيء
فقط امضي
كالكلمة التي حين تكتب
تدرك أنّها لم تكتب قط
وكالنَّفْس التي حين تولد
تذكر أنّها لم تمت بعد
بما يكفي لكي تعرفي
أن الموت هو النفس نفسُها
حين تتعب من كونها نفسا

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *