مغاربة العالم… شركاء في بناء المغرب الصاعد

بقلم الإعلامي حيمري البشر, كوبنهاغن، الدنمارك

“مغاربة العالم شركاء في بناء المغرب الصاعد” ليست عبارة بروتوكولية تردد في المناسبات الرسمية، بل حقيقة تاريخية ووطنية تؤكدها الوقائع والأرقام، وتترجمها مواقف ملايين المغاربة الذين اختارتهم ظروف الحياة للهجرة، بينما ظل الوطن يسكنهم، ولم يغادروه يوما في الوجدان والانتماء. ومع كلّ صيف، حين تستقبل الموانئ والمطارات أفواج أفراد الجالية المغربية، يتجدد النقاش حول مكانة مغاربة العالم ودورهم في التنمية الوطنية. غير أنّ الحقيقة أعمق من موسم العبور، لأن العلاقة بين مغاربة المهجر ووطنهم ليست علاقة زيارة عابرة، بل علاقة وفاء دائم ومسؤولية مشتركة، عنوانها الحب الصادق والانتماء الذي لا تضعفه المسافات ولا تغيره السنوات.

لقد قدم مغاربة العالم للمغرب الكثير، وما زالوا يقدمون. فمنذ عقود وهم يشكلون أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني من خلال تحويلاتهم المالية التي ساهمت في دعم الأسر، وتنشيط الاستثمار، وتعزيز احتياطي العملة الصعبة. لكن مساهمتهم لا تقاس بالأرقام وحدها، بل تمتد إلى نقل الخبرات والكفاءات، والدفاع عن صورة المغرب في مختلف المحافل، وتوطيد جسور التعاون بين بلدهم الأصلي وبلدان الإقامة. ورغم ما يواجهونه من تحديات الاندماج والغربة وصعوبة التوفيق بين ثقافتين، ظل قلب المغربي المقيم بالخارج معلقا بمدن المغرب وقراه، بجبال الأطلس والريف، بسواحله وصحرائه، وبكل ذرة من ترابه. فالوطن بالنسبة إليه ليس مجرد مكان ولد فيه، بل هو هوية متجذرة وذاكرة لا تنطفئ.

ويكفي أن يصدح النشيد الوطني في أي محفل رياضي حتى ترى الدموع في عيون كثير من أبناء الجالية، ويكفي أن يحقق المغرب إنجازا سياسيا أو اقتصاديا أو رياضيا حتى يعم الفرح بيوت المغاربة في مختلف أنحاء العالم. إنها رابطة تتجاوز الجغرافيا، لأن الوطنية الصادقة لا تقاس بمكان الإقامة، وإنما بصدق الانتماء. ولعلّ أجمل ما يميز مغاربة العالم أنهم لا يلتفون حول وطنهم في لحظات الفرح فقط، بل يظهر معدنهم الأصيل في أوقات الشدة أيضا. فهم يتضامنون مع بعضهم بعضا، ويقفون صفا واحدا عند كل مصاب، ويعتبرون أي اعتداء على مغربي اعتداء على الأسرة المغربية كلها، مهما اختلفت المدن والبلدان.

وقد جسّدت الجالية المغربية في إيطاليا هذا المعنى النبيل عندما عبرت، في مشهد حضاري ومسؤول، عن استنكارها لإزهاق روح مغربي كان يعمل بجد وإخلاص، ويساهم في إعالة أسرته ودعم اقتصاد وطنه. لقد كانت تلك الوقفة رسالة واضحة مفادها أن المغربي، أينما وجد، يحمل وطنه في قلبه، ويحمل أيضا هموم أبناء وطنه، فلا يخذلهم في الأفراح ولا يتخلى عنهم في الأحزان. إن مغاربة العالم ليسوا مجرد مصدر للتحويلات المالية، كما يختزلهم البعض، بل هم رصيد استراتيجي للمغرب في مجالات الاقتصاد والدبلوماسية والثقافة والعلم والاستثمار. وهم سفراء غير رسميين لبلدهم، يدافعون عن مصالحه، ويصححون الصور المغلوطة عنه، ويعكسون قيمه الأصيلة في مجتمعات الإقامة.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي ليس فقط في تثمين ما يقدمه مغاربة العالم، بل في إشراكهم بصورة أوسع في صناعة القرار التنموي، والاستفادة من كفاءاتهم وخبراتهم، وتوطيد جسور الثقة معهم، لأن بناء المغرب الحديث مسؤولية جماعية، يشارك فيها أبناء الداخل والخارج على حد سواء. إن مغاربة العالم كانوا وسيبقون أوفياء لثوابت وطنهم، متمسكين بالعرش العلوي المجيد، ومدافعين عن الوحدة الترابية للمملكة، ومؤمنين بأن مستقبل المغرب يبنى بسواعد جميع أبنائه، داخل الوطن وخارجه.

وسيظل المغربي، أينما أقام، يحمل وطنه في قلبه، ويورث أبناءه حب المغرب جيلا بعد جيل، لأن الانتماء الحقيقي لا تمحوه المسافات، ولا تضعفه الغربة، ولا تلغيه الحدود. فالمغرب لا يبنى بمن يعيش فوق أرضه فقط، بل أيضا بمن يحمله في قلبه، ويؤمن برسالته، ويعمل من أجله في كل بقاع العالم. ولذلك سيبقى مغاربة العالم شركاء أصيلين في بناء المغرب الصاعد، كما كانوا دائما، وكما سيكونون مستقبلا، حتى يواصل وطننا مسيرة التقدم والازدهار، ويعزز مكانته بين الأمم، منبتا للأحرار، ومشرقا للأنوار.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *