بين الذاكرة والردع…وطهران؟

بقلم د. عبد الرحمان مكاوي-باريس

ليست كل الحروب تندلع لأن الدبلوماسية فشلت، بل إن بعض الحروب الصغيرة تولد لأن الدبلوماسية نجحت في تأجيل الحرب الكبرى. وما يجري بين الولايات المتحدة وإيران ليس هدنة بالمعنى التقليدي، ولا مواجهة مكتملة الأركان، بل حالة رمادية يصعب على اللغة السياسية القديمة أن تجد لها اسما. إنها منطقة معلقة بين السيف والغمد، حيث لا أحد يريد أن يطلق الرصاصة الأولى، ولا أحد يقبل أن يضع سلاحه أرضا. لقد أصبح الشرق الأوسط، منذ عقود، يشبه رقعة شطرنج فقدت ألوانها. فالقطع تتحرك، لكن الرقعة نفسها تتحرك معها. وكل لاعب يعتقد أنه يناور فوق الأرض، بينما هو في الحقيقة يناور فوق ذاكرة مثقلة بالخسارات، ومشحونة بالثأر، ومربوطة بتاريخ لم يوقع بعد معاهدة سلام مع نفسه.

ولعل الخطأ الأكثر شيوعا في قراءة العلاقة بين واشنطن وطهران هو الاعتقاد بأن الأزمة تدور فقط حول البرنامج النووي، أو العقوبات الاقتصادية، أو أمن الخليج، أو أمن إسرائيل. تلك ليست سوى قمم جبل جليد، أما الكتلة الغارقة تحت الماء فهي أعمق بكثير، لأنها تتكون من طبقات متراكمة من الخوف، والذاكرة، والعقيدة، والهيمنة، وسوء الإدراك المتبادل. فالولايات المتحدة لا تنظر إلى إيران باعتبارها مجرد دولة تسعى إلى توسيع نفوذها الإقليمي، بل تراها عقدة جيوسياسية يمكن أن تعيد تشكيل ميزان القوى في الخليج والشرق الأوسط بأكمله. ومن هذا المنطلق، يصبح منع طهران من امتلاك قدرات نووية عسكرية، وحماية أمن إسرائيل، وضمان حرية الملاحة، والحفاظ على مكانة واشنطن بوصفها القوة الضامنة للنظام الإقليمي، جزءا من معادلة واحدة لا تقبل الفصل بين عناصرها.

وفي المقابل، لا تنظر إيران إلى نفسها باعتبارها دولة تبحث عن نفوذ إضافي، بل باعتبارها دولة ما زالت تعيش داخل ذاكرة الثورة، وترى أن أي تراجع غير محسوب قد يفسر داخليا بوصفه تخليا عن المبادئ التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية، وخارجيا بوصفه اعترافا بهزيمة المشروع الذي تسميه محور المقاومة. ولهذا، فإن أي تنازل لا يقاس في طهران بمقدار ما يحققه من مكاسب دبلوماسية، وإنما بمقدار ما قد يتركه من أثر على شرعية النظام في الداخل وصورته لدى حلفائه في الخارج. وهنا تبدأ الدبلوماسية في فقدان لغتها. لأن المفاوضات لا تجري بين أوراق رسمية فقط، بل بين سرديتين متناقضتين. كل واحدة منهما ترى نفسها الحارس الأخير للحقيقة. واشنطن تتحدث عن نظام دولي قائم على القواعد، بينما تتحدث طهران عن مقاومة الهيمنة ورفض الإملاءات. وبين الروايتين لا يضيع الاتفاق فقط، بل تضيع حتى المفردات التي يمكن أن يبنى عليها الاتفاق.

لكن السياسة ليست ابنة العقل وحده. إنها أيضا ابنة الذاكرة. والذاكرة لا تنسى بسهولة. اغتيال اللواء قاسم سليماني، والهجمات التي استهدفت منشآت نطنز، والضربات المتبادلة في البحر الأحمر والخليج، وسلسلة العقوبات، كلها تحولت إلى سجل مفتوح للثأر السياسي. وكل طرف يحتفظ بقائمة خاصة من الجراح التي يرى أنها لم تلتئم بعد. ولذلك، فإن الرد لم يعد مجرد قرار عسكري، بل أصبح جزءا من الهوية السياسية. وكأن كل ضربة تحمل في داخلها وعدا مؤجلا بضربة أخرى. وهكذا، تدخل المشاعر إلى غرفة القرار. ويصبح الانتقام لغة غير معلنة للدبلوماسية. ويتحول ضبط النفس إلى معركة أصعب من استخدام القوة. ثم يأتي العامل الذي لا يقل أهمية عن كل ما سبقه، وهو عامل الزمن. فالطرفان يعتقدان أن الوقت يعمل لصالحهما.

واشنطن تراهن على أن العقوبات الطويلة ستستنزف الاقتصاد الإيراني وتدفع طهران في نهاية المطاف إلى تقديم تنازلات. وطهران تراهن على أن التحولات الدولية، وصعود قوى جديدة، وتراجع مركزية النظام الأحادي، ستجعل الولايات المتحدة أقل قدرة على فرض شروطها كما كانت تفعل قبل عقدين. وحين يعتقد الخصمان أن الزمن حليفهما، يصبح الزمن نفسه عدوا لأي تسوية. ولا يقف التعقيد عند هذا الحد. فداخل كل عاصمة توجد عواصم أخرى. في واشنطن، تضغط تيارات ترى أن أي مرونة تمنح إيران فرصة إضافية لتعزيز نفوذها. وفي طهران، توجد قوى تعتبر أن أي انفتاح غير محسوب قد يفسر ضعفا أمام الخصم التاريخي.

وهكذا، لا يعود المفاوض يفاوض الطرف الآخر فقط، بل يفاوض أيضا جمهوره الداخلي، ومؤسساته، وحساباته السياسية، وخوفه من أن يتهم بالتراجع. أما غياب الوسيط الذي يحظى بثقة كاملة لدى الطرفين، فيجعل كل محاولة للحوار أشبه ببناء جسر فوق نهر يتغير مجراه كل يوم. ورغم كل ذلك، لا تنفجر الحرب الشاملة. ليس لأن أسبابها غير موجودة. بل لأن كلفتها أصبحت أكبر من قدرة الجميع على تحملها. ومن هنا ولدت معادلة جديدة يمكن وصفها بعقيدة “لا حرب ولا سلام”. ليست سلاما، لأن الاشتباكات لا تتوقف. وليست حربا، لأن الخطوط الحمراء ما زالت قائمة. إنها إدارة دقيقة للتصعيد، بحيث يبقى الضغط مرتفعا بما يكفي لإرهاق الخصم، ومنخفضا بما يكفي لتجنب الانفجار الكبير. إنها هندسة للتوتر أكثر منها هندسة للسلام.

وفي هذا الفضاء الرمادي، القوة تقاس بقدرة كل طرف على إيلام خصمه من دون أن يدفعه إلى قرار الحرب. وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فالنجاح، في هذا النوع من الصراعات هو بمنعه من الشعور بأنه انتصر. إنها معادلة قاسية، لكنها أصبحت إحدى السمات البارزة للجغرافيا السياسية في القرن الحادي والعشرين. وربما لهذا السبب، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: متى ستندلع الحرب؟ بل أصبح: إلى متى يستطيع الطرفان البقاء داخل هذه المنطقة الرمادية، حيث يتعايش الردع مع الثأر، والدبلوماسية مع التصعيد، والخوف مع الحسابات الباردة؟ ذلك أن أخطر الحروب ليست تلك التي تشتعل فجأة، وإنما تلك التي تتعلم كيف تعيش طويلا دون أن تنتهي. ففي هذا النوع من الصراعات، يصبح السلام مجرد استراحة قصيرة بين موجتين من التوتر، وتتحول الدبلوماسية إلى فن إدارة الهاوية، لا إلى فن الخروج منها. ومن هنا، فإن مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران لن تحدده القوة العسكرية وحدها، ولا العقوبات الاقتصادية وحدها، بل قدرة الطرفين على التحرر من أسر الذاكرة، لأن التاريخ، حين يصبح قائدا للمستقبل، نادرا ما يقود الأمم إلى المصالحة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *