بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة – باريس
لو عاد الطبري اليوم، وأغلق مخطوطاته القديمة، ثم خرج ليمشي بين غابات المتوسط، لربما مزق الصفحة التي كتب فيها عن أعوام القحط، وبدأ تاريخا آخر. ولو عاد ابن الأثير، الذي وصف المدن وهي تشتعل في الحروب، لاكتشف أن النار تعلمت اليوم حربا جديدة، لا تحتاج فيها إلى الجيوش. أما المسعودي، الذي كان يرى العالم كتابا مفتوحا على غرائب لا تنتهي، لربما قال إن أكثر عجائب هذا العصر ليست المدن الذكية، ولا الأقمار الاصطناعية، بل ليلة ترفض أن تطفئ النار. لم يحدث أن سجل مؤرخ عربي أن الليل خان الأرض. كان الليل، في كل المدونات، جزءا من نظام الكون. يأتي بعد النهار كما تأتي الرحمة بعد التعب. حتى الحرائق التي ذكرها القزويني في عجائب المخلوقات، كانت تنتمي إلى الاستثناء، إلى تلك الوقائع التي تدهش الناس لأنها نادرة. أما اليوم، فقد أصبح الاستثناء هو القاعدة. وصارت الأعجوبة اسما آخر للواقع. إننا لا نعيش كارثة بيئية فقط. بل نعيش انقلابا في ذاكرة العناصر الأربعة. الماء يتراجع. والهواء يزداد عطشا. والتراب يفقد برودته. أمّا النار، فقد أصبحت الكائن الوحيد الذي يزداد قوة كلما ظن الإنسان أنه أحكم السيطرة عليه.
ولعل الإغريق، الذين جعلوا من النار أسطورة، كانوا أكثر حكمة مما نظن. حين سرق بروميثيوس النار من الآلهة ليهبها للبشر، لم يكن يمنحهم مجرد وسيلة للطهي أو التدفئة. كان يمنحهم السلطة. لكن كل سلطة تحمل في داخلها احتمال التمرد. واليوم، بعد آلاف السنين، يبدو أن النار استعادت استقلالها. كأنها قررت أن تنتقم من الإنسان لأنه نسي أنها لم تكن يوما ملكه. لقد ظن أنه روضها. فاكتشف أنها كانت تؤجل غضبها فقط. أما العنقاء، ذلك الطائر الذي يولد من رماده، فقد أصبح يبدو أقل غرابة من غابات المتوسط. لأن العنقاء كانت تحترق مرة واحدة لتولد من جديد. أما الغابات، فهي تحترق كل عام، ولا تجد الوقت الكافي كي تستعيد ذاكرتها قبل أن يعود الصيف التالي. حتى إيكاروس، الذي احترقت أجنحته لأنه اقترب كثيرا من الشمس، يبدو اليوم أقل تهورا من الحضارة الحديثة. فإيكاروس كان فردا.ة أما نحن، فقد جعلنا الكوكب كله يقترب من الشمس.
وليس المناخ وحده من تغير. بل اللّغة أيضا. لقد أصبحت الكلمات القديمة عاجزة عن وصف ما يحدث. كانوا يقولون موجة حر. لكن كيف يمكن لموجة أن تستمر أشهرا؟ وكانوا يقولون موسم الحرائق. لكن كيف يصبح الموسم قدرا متكررا؟ وكانوا يقولون تغير مناخي. غير أن العبارة تبدو مهذبة أكثر مما ينبغي. فالذي يتغير ليس المناخ وحده. إن الإنسان نفسه هو الذي يقف أمام مرآته ولا يعرف صورته. لقد تحول الكوكب إلى كائن يكتب احتجاجه بالنار. ولم يعد يحتاج إلى البيانات العلمية كي يعبر عن غضبه.
في الضفة الجنوبية من المتوسط، تبدو الصورة أكثر قسوة. فالحرائق لا تأتي وحدها. ترافقها موجات الجفاف. ويلاحقها التصحر. ثم تتبعها الهجرة. ثم يتسلل القلق إلى الاقتصاد والغذاء والماء. كأن النار ليست سوى الرسالة الأولى. أما الرسائل الأخرى، فلم تصل بعد. ولهذا، فإن دول المتوسط لم تعد تواجه كوارث منفصلة. إنها تواجه مصيرا مناخيا مشتركا. فحين تحترق غابة في الجزائر، لا يحترق الخشب وحده. يتغير الهواء الذي سيعبر غدا نحو تونس. ويتبدل المناخ الذي سيصل بعد أيام إلى المغرب. وقد تحمل الرياح نفسها آثار ذلك الاحتراق إلى الضفة الشمالية. فالطبيعة، على عكس السياسة، لا تعرف معنى العداء. إنها تربط الجميع بالمصير نفسه. ولهذا، فإن كل شجرة تنجو في أي بلد متوسطي، هي انتصار لجميع بلدان المتوسط. وكل شجرة تحترق، هي خسارة جماعية، حتى وإن وقعت داخل حدود دولة واحدة.
من هنا، يصبح التعاون البيئي أكثر من خيار. يصبح ضرورة حضارية. لقد أثبت المغرب، خلال السنوات الأخيرة، جاهزيته المتقدمة في مجال مكافحة الحرائق، سواء عبر تطوير قدراته الجوية، أو تعزيز منظومات التدخل السريع، أو الانخراط في جهود الدعم الإقليمي عندما تستدعي الظروف ذلك. وهذا ليس استعراضا للقوة. بل تعبير عن فلسفة سياسية ترى أن الكوارث الطبيعية لا ينبغي أن تتحول إلى رهائن للخلافات. فالحرائق لا تنتظر المصالحات. والأشجار لا تستطيع تأجيل احتراقها إلى حين انتهاء النزاعات. ولهذا، فإن الاستعداد للمساندة، كلما اقتضت الحاجة ووفق ما تتيحه الظروف والسيادة الوطنية لكل دولة، يظل أحد أنبل وجوه الدبلوماسية الإنسانية. فحين ترتفع ألسنة اللهب، تصبح الأولوية لإنقاذ الأرواح وحماية الغابات، لأن البيئة هي الإرث الوحيد الذي تتقاسمه الأجيال قبل أن تتقاسم الحدود.
وربما سيأتي يوم يقرأ فيه أحفادنا هذا الزمن كما نقرأ نحن اليوم أخبار الطواعين القديمة. سيقولون إن الإنسان كان يظن أن التكنولوجيا قادرة على حمايته من كل شيء. ثم اكتشف أن شجرة محترقة تستطيع أن تطرح عليه أسئلة لم تستطع المختبرات كلها أن تجيب عنها. وسيكتشفون أيضا أن أخطر ما في الحرائق لم يكن عدد الهكتارات التي التهمتها، ولا المدن التي هددتها، بل الحقيقة التي كشفتها. أن الأرض ليست ملكا لأحد. وأن الإنسان، مهما ارتفعت بناياته، يظل مجرد ضيف فوق قشرة رقيقة من تراب، إذا غضبت، أعادت الجميع إلى الدرس الأول.
يتبع بالجزء الثلث والأخير…
📲 Partager sur WhatsApp