بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة – باريس
ربما نخطئ حين نسمي ما يحدث كارثة طبيعية. فالكوارث، في معناها القديم، كانت أحداثا تقع ثم تنتهي. أما ما نراه اليوم، فهو أشبه بحوار طويل بين الأرض والإنسان، حوار بدأ منذ أن اعتقد هذا الأخير أن الطبيعة مجرد مادة خام، وأن الجبال مناجم مؤجلة، وأن الأنهار أنابيب مفتوحة، وأن الغابات أخشاب تنتظر الفأس. لكن الأرض، مثل كل الكائنات العظيمة، لا تثور فجأة. إنها تصبر. ثم تصبر. ثم تصبر أكثر. وحين تنفد لغاتها، تبدأ الكتابة بالنار. ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن اللهب لم يعد يحرق الأشجار وحدها. لقد بدأ يحرق يقين الإنسان. ذلك اليقين الذي أقنعه، طوال قرون، بأنه السيد المطلق لهذا الكوكب. فإذا به يكتشف أن شجرة تستطيع أن تربك ميزانيات دول، وأن غابة واحدة قادرة على استنفار جيوش من رجال الإطفاء، وأن ليلة حارة قد تعطل ما بنته التكنولوجيا خلال عقود. كأن الحضارة، وهي تصعد إلى أعلى أبراجها، نسيت أن جذورها ما زالت مغروسة في تراب هش، وأن التراب، إذا غضب، لا يستأذن أحدا.
وليس صدفة أن يصبح البحر الأبيض المتوسط، الذي ولد على ضفافه الفلاسفة والأنبياء والشعراء والملاحون، مختبرا لهذا التحول الكوني. هذا البحر الذي حمل سفن الفينيقيين، وتأمل عليه أرسطو معنى العالم، وكتب على شواطئه ابن رشد دفاعه عن العقل، ورسم الإدريسي خرائطه، يبدو اليوم وكأنه يجلس صامتا، يتابع الغابات وهي تتحول إلى أعمدة من دخان. كأن البحر، الذي كان يفصل القارات، صار يجمع مخاوفها. فالريح التي تحمل الرماد من جنوبه إلى شماله، لا تعرف لغة ولا علما ولا نشيدا وطنيا. إنها تحمل الرسالة نفسها إلى الجميع. أن المناخ لا يعترف بالحدود. وأن الجغرافيا، مهما قسمت السياسة، تعود دائما لتوحدها الطبيعة.
ولهذا، فإنّ مستقبل المتوسط لن تصنعه الاتفاقيات الاقتصادية وحدها، ولا التحالفات العسكرية وحدها، ولا المؤتمرات الدولية وحدها. بل سيصنعه أيضا مقدار ما تستطيع دوله أن تؤمن بأن البيئة ليست ملفا ثانويا، وإنما أمن قومي، وأمن إنساني، وأمن حضاري. فالشجرة التي تنجو اليوم، تؤجل عطشا سيصيب مدينة غدا. والغابة التي تبقى واقفة، تؤجل هجرة أسرة، وربما شعب، بعد أعوام. لهذا، فإن الدفاع عن الأشجار لم يعد عملا بيئيا. بل أصبح دفاعا عن التاريخ نفسه. لقد كانت الحضارات القديمة تكتب أسماء ملوكها على الحجر. أما حضارتنا، فقد تجد نفسها مضطرة إلى كتابة أسمائها على الرماد، إذا استمرت في الاعتقاد أنّ الطبيعة يمكن أن تؤجل حسابها إلى الأبد.
وربما سيأتي مؤرخ بعد مائة عام، يفتح أرشيف هذا القرن، فلا يتوقف طويلا عند أسماء الرؤساء، ولا عند نتائج الانتخابات، ولا عند أسعار النفط، بل يتوقف أمام سؤال واحد: في أي لحظة قررت الأرض أن تتحدث، ولم يسمعها أحد؟ وحينها، قد يكتشف أن أول بيان أصدره الكوكب لم يكن مكتوبا بالحبر. كان مكتوبا بألسنة لهب، ارتفعت فوق غابات فرنسا، ومرتفعات الجزائر، وجبال تونس، وسفوح المتوسط كلها، لتقول للبشرية إن الزمن الذي كانت فيه الطبيعة تتكيف مع الإنسان قد انتهى، وإن الزمن الجديد هو ذلك الذي سيضطر فيه الإنسان إلى أن يتعلم، من جديد، كيف يكون جديرا بالأرض التي يمشي فوقها. لأن الحضارات لا تسقط دائما بالحروب. بعضها يسقط حين ينسى الإصغاء إلى الأشجار. وبعضها ينهار يوم يعتقد أن النار مجرد حادث عابر. أما الحقيقة، فهي أن النار لم تعد تحرق الغابات فقط…إنها تمتحن ضمير العالم.
📲 Partager sur WhatsApp