بقلم عبد الله شوكا, كاتب وصحافي – المغرب
تداول المغاربة منذ القدم دعاء شعبيا يقول: “سير لهلا يضيقها عليك”، في إشارة إلى التمني بأن تبقى سبل الحياة واسعة، وألا تضيق الدنيا في وجه الإنسان. غير أن العالم اليوم يبدو وكأنه يسير في الاتجاه المعاكس، بعدما تحولت المضايق البحرية، التي خلقت لتقريب المسافات وتيسير حركة التجارة بين الأمم، إلى أوراق ضغط سياسي واستراتيجي، تتنازع حولها الدول، وتهدد بين الفينة والأخرى بإغلاقها أو تقييد المرور عبرها كلما اشتدت الأزمات واحتدمت الصراعات. ولعل ما يثار حول مضيق هرمز في ظل التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران خير دليل على أن الممرات البحرية لم تعد مجرد منافذ جغرافية، بل أصبحت أدوات تأثير في موازين القوة الدولية. فكلما تصاعدت حدة المواجهة، عاد الحديث عن احتمال تعطيل الملاحة في هذا المضيق الحيوي الذي تعبر عبره نسبة مهمة من صادرات النفط والغاز العالمية، وهو ما يثير قلق الأسواق والدول المستوردة للطاقة، ويضع الاقتصاد العالمي أمام سيناريوهات لا تخلو من المخاطر.
ولا يقتصر الأمر على مضيق هرمز وحده، بل يمتد إلى باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية التي تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، والذي ظل بدوره عرضة لاضطرابات أمنية متكررة بسبب النزاعات الإقليمية. وهكذا أصبحت المضايق البحرية، التي كانت جسورا للتواصل بين الشعوب، تتحول تدريجيا إلى نقاط اختناق تهدد انسياب التجارة العالمية، وتجعل الاقتصاد الدولي رهينة الحسابات السياسية والعسكرية. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ماذا لو تحول استخدام المضايق البحرية كورقة ضغط إلى سلوك تتبناه دول أخرى؟ ماذا لو قررت كل دولة تشرف على مضيق استراتيجي أن تجعل المرور عبره مشروطا بمواقف سياسية، أو برسوم استثنائية، أو بموافقات خاصة؟ ألن يجد العالم نفسه أمام واقع جديد، تصبح فيه حرية الملاحة الدولية خاضعة لإرادة الدول المطلة على تلك الممرات، بدل أن تكون محكومة بالقانون الدولي والاتفاقيات البحرية؟

إن خطورة هذا السيناريو لا تكمن فقط في تعطيل حركة السفن، وإنما في انعكاساته المباشرة على حياة الشعوب. فكل اضطراب في الملاحة البحرية ينعكس على أسعار النفط والغاز، ثم يمتد إلى أسعار النقل والإنتاج والغذاء، لتنتهي فاتورة الصراعات على موائد ملايين الأسر عبر العالم، وهي شعوب لا يد لها في إشعال الحروب، لكنها تجد نفسها دائما أول من يدفع ثمنها. لقد جعل الله الأرض مترابطة، وربط بين بحارها ومحيطاتها بمضايق طبيعية تؤدي وظيفة حضارية عظيمة، تتمثل في تسهيل انتقال البشر والبضائع، وتعزيز التواصل بين الأمم، لا في تحويلها إلى أدوات للابتزاز السياسي أو ساحات لتصفية الحسابات الدولية. ومن هنا فإن حماية هذه الممرات ليست مسؤولية دولة بعينها، بل مسؤولية جماعية، لأنها تمثل شرايين الاقتصاد العالمي، وأي خلل يصيبها يمتد أثره إلى جميع القارات.
إن العالم اليوم في أمس الحاجة إلى ترسيخ احترام قواعد الملاحة الدولية، وتحييد المضايق البحرية عن الصراعات السياسية والعسكرية، حتى لا يتحول كل مضيق إلى بؤرة توتر جديدة، ولا يصبح لكل دولة “مضيقها الخاص” الذي تستخدمه متى شاءت للضغط على الآخرين. فإذا استمر هذا المنحى، فإن الخاسر الأكبر لن يكون دولة بعينها، ولا اقتصادا بعينه، وإنما الإنسانية جمعاء، لأن العالم لا يبنى بالإغلاقات، ولا تزدهر الأمم بالحواجز، وإنما تتقدم عندما تظل طرقها البرية والبحرية والجوية مفتوحة أمام التعاون، وتحكمها الشرعية الدولية، لا منطق القوة وميزان المصالح الضيقة.
📲 Partager sur WhatsApp