حميد باطما وكلينت إيستوود…حين يجتمع الغيوان والويسترن

ضمن سلسلة: ويخلق من الشبه أربعين

بقلم عبد الله شوكا, كاتب وصحافي- المغرب

من أعجب أسرار الخلق أن الوجوه، على كثرتها وتباعد أوطان أصحابها، قد تتشابه إلى حد يثير الدهشة، وكأنها نسخ متفرقة لملامح واحدة وزعتها الأقدار على جهات الأرض الأربع. ولعل في المثل الشعبي القائل: “ويخلق من الشبه أربعين”، ما يلخص هذه الظاهرة التي لا تزال تبهر الناس كلما وقعت أعينهم على شخصين فرقت بينهما القارات وجمعتهما الملامح. ومن خلال هذه السلسلة، نحاول أن نسلط الضوء على نماذج من هذا التشابه الذي يجمع مشاهير من ثقافات وجنسيات متباعدة، حتى يخيل للمتأمل أن المصادفة قد عقدت بينهما موعدا لم يكتمل. ولعل الأجمل في الأمر أن كلا منهما يمضي في حياته دون أن يعلم أن له في أقصى الأرض وجها يكاد يحاكي قسماته.

وفي هذه الحلقة، نقف عند واحد من أشهر نجوم السينما الأمريكية، الممثل العالمي Clint Eastwood، الذي ارتبط اسمه بأفلام الويسترن، أو ما يعرف بأفلام رعاة البقر، حيث صنع لنفسه شخصية الرجل الصامت، الصلب، الحاد النظرات، الذي يحسم المواجهات بأقل الكلمات وأكثرها حضورا. وقد تحول، عبر عقود، إلى أيقونة سينمائية يصعب أن تخطئها ذاكرة عشاق الفن السابع. لكن، وأنت تتأمل ملامح كلينت إيستوود، قد تستوقفك صورة أخرى آتية من الضفة المقابلة، من المغرب، وتحديدا من الأسرة الباطماوية التي أنجبت أسماء حفرت حضورها في ذاكرة الأغنية المغربية. إنها صورة الفنان الراحل حميد باطما، صاحب الصوت الدافئ، والأداء الصادق، الذي تألق مع مجموعة مسناوة، ثم مع مجموعة ناس الغيوان، وأسهم في ترسيخ واحدة من أهم التجارب الفنية في تاريخ الأغنية المغربية.

وما إن تضع الصورتين جنبا إلى جنب، حتى تبدأ تفاصيل التشابه في البوح بنفسها. تقاسيم الوجه، وحدة النظرة، امتداد الملامح، وذلك الحضور الذي يسبق صاحبه إلى المكان. تشابه لا يدعي التطابق، ولكنه كاف ليجعل المتأمل يعيد النظر أكثر من مرة، وكأنه يبحث عن تفسير لما تراه عيناه. ولعل الطرافة تبلغ ذروتها إذا أطلقت العنان للمخيلة. تخيل حميد باطما وقد استبدل البندير بقبعة عريضة، وامتطى حصانا، وتعالى غبار الطريق خلفه وهو يدخل إحدى بلدات الغرب الأمريكي، تتدلى على خاصرته مسدسات رعاة البقر، بينما تعلو وجهه تلك النظرة الصارمة التي اشتهر بها كلينت إيستوود. عندها قد يخال إليك أنك أمام بطل جديد من أبطال الويسترن، غير أن خلفيته هذه المرة ليست صحارى أريزونا، بل روح الغيوان القادمة من الأزقة العتيقة والدروب المغربية.

إنها مفارقة جميلة، تؤكد أن الفن، كما الوجوه، لا يعرف الحدود. فبين موسيقى الغيوان التي خرجت من قلب المغرب، وسينما الويسترن التي ولدت في هوليوود، تقف الملامح لتنسج خيطا رفيعا من التشابه، وكأنها تقول إن الجغرافيا قد تفرق بين البشر، لكن الطبيعة تحتفظ دائما بحقها في إعادة رسم بعض الوجوه بأقلام متشابهة. وهكذا يبقى التشابه بين الوجوه واحدا من أسرار الخلق التي لا تنقضي عجائبها، ودليلا على أن اختلاف الألسن والألوان والأوطان لا يمنع أن يتقاسم إنسانان، لم يلتقيا يوما، ملامح تكاد تنطق بالحكاية نفسها. ولعل في ذلك ما يمنح العالم شيئا من الطرافة، ويجعلنا نردد، كلما فاجأتنا هذه المصادفات البديعة: حقا… ويخلق من الشبه أربعين.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *