عبد الله شوكا, كاتب وصحافي-المغرب
تعد الهدية في البوادي المغربية من أعرق الموروثات الاجتماعية التي صاغتها حكمة الأجداد، ورسختها الأيام في وجدان أهل البادية، حتى غدت عنوانا للتضامن والتكافل، وصورة ناصعة لما تختزنه الحياة القروية من قيم النبل والكرم والتآزر. وهي عادة ضاربة في عمق التاريخ، توارثتها الأجيال المتعاقبة، وحافظت عليها باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الهوية الثقافية للبادية المغربية. وإذا اختلفت مظاهرها وتفاصيلها من منطقة إلى أخرى، فإن جوهرها ظل ثابتا، يعكس روح الجماعة، ويكرس معاني المحبة والوفاء وحسن المؤازرة.
وترتبط الهدية في العرف البدوي المغربي بمختلف المناسبات السعيدة التي تضيء حياة الأسر والقبائل، فتقام احتفاء بأعراس الزواج، وابتهاجا بنجاح أحد الأبناء في امتحان، واستقبالا لحاج عاد من الديار المقدسة، كما تنظم بمناسبة العقيقة وختان الأطفال، وغيرها من المناسبات التي تستدعي اجتماع الأهل والجيران، وتقاسم أفراح الحياة في أجمل صورها. ولا تقف الهدية عند حدود ما تحمله من عطاء مادي، بل تتجاوز ذلك إلى كونها مناسبة اجتماعية بامتياز، تستعيد خلالها نساء البادية بهجة اللقاء، ويطلقن العنان لحناجرهن كي تشدو بأهازيج وأغان من صميم التراث البدوي، فتنساب الأصوات عذبة في الفضاء الرحب، وتمتزج بأنفاس الحقول وسكون الطبيعة، في مشهد يفيض دفئا وأصالة، ويعيد إلى الذاكرة صورا من زمن كان التضامن فيه أسلوب حياة، وكانت الأفراح ملكا للجميع.
وغالبا ما تتكون الهدية من السكر، الذي ظل عبر عقود طويلة رمزا للبركة وحلاوة المناسبة، وعنوانا للسخاء وحسن المؤازرة، حتى إن الكمية التي تقدم للمحتفى به تعفي أسرته من اقتناء هذه المادة أشهرا عديدة، في دلالة بليغة على عمق التكافل الاجتماعي الذي ميز المجتمع البدوي المغربي. ومع تباشير صباح يوم الاحتفال، تتولى مقدمة الدوار جمع نساء القرية، فيلتقين بالقرب من مسجد الدوار، حيث تكون نقطة الانطلاق. ويوضع السكر في إناء كبير تحمله إحدى النساء فوق رأسها، متقدمة الموكب في صورة تنبض بالوقار والهيبة، بينما تمضي النسوة خلفها في صفوف متراصة، يرددن أغنيات موروثة تناقلتها الأجيال، فتتردد أصداء الأصوات في أرجاء البادية، وكأن الطبيعة نفسها تشارك في الاحتفاء بهذه المناسبة، وتبارك خطوات الموكب وهو يشق طريقه نحو بيت المحتفى به. وحين يقترب الموكب من باب الخيمة، تستقبلهم ربة البيت بابتسامة تنبض بالمحبة، وهي تحمل علما أبيض، في إشارة إلى الصفاء وحسن الاستقبال، ثم ترش الحاضرات بعطر الورد، لتفوح رائحة الفرح في المكان، وتعقبها لحظات من العناق الصادق وتبادل التهاني والدعوات، في مشهد إنساني تختلط فيه حرارة المشاعر بعراقة التقاليد، ويجسد أبهى صور التلاحم بين أفراد المجتمع.
وهكذا تظل تقاليد الهدية في البوادي المغربية واحدة من أجمل الشواهد على غنى التراث الشعبي المغربي، وعلى قدرة الموروث الثقافي على الصمود في وجه التحولات الاجتماعية المتلاحقة. ورغم ما فقدته البادية من كثير من ملامحها القديمة، ما تزال هذه العادة تحافظ على رونقها وخصوصيتها، باعتبارها ممارسة اجتماعية تحمل في طياتها ذاكرة المكان وروح الإنسان. ولعل المحافظة على هذا الموروث الأصيل لم تعد مجرد واجب أخلاقي، بل أصبحت مسؤولية ثقافية وحضارية تتقاسمها الأجيال المتعاقبة، حتى يبقى هذا التقليد البدوي العريق نابضا بالحياة، شاهدا على أصالة المجتمع المغربي، وحافظا لذاكرته الجماعية، وناقلا لقيم التضامن والتآخي التي أورثها الآباء والأجداد لأبنائهم، لتظل راسخة في الوجدان، ومتجددة مع تعاقب الأزمان، باعتبارها إرثا حضاريا يعبر عن هوية المغرب، ويؤكد أن الأمم إنما تحفظ ذاكرتها بما تصونه من عاداتها الأصيلة، وما تورثه لأبنائها من قيم نبيلة، تظل عصية على النسيان مهما تغيرت الأحوال وتعاقبت السنون.
📲 Partager sur WhatsApp
جاء في المأثور: ” تهادوا تحابوا”.