الجزء الثاني: رسالة المأمون… حين خرج السؤال من مجالس العلماء إلى أبواب القصر
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
لم تكن أخطر لحظات التاريخ تلك التي يخرج فيها السيف من غمده. فالسيف يعلن الخصومة.ة أما القلم حين يكون في يد السلطة، فإنه قد يصنع واقعًا جديدا لا يحتاج إلى ضربة واحدة. يكفي أن يكتب. ولهذا كانت رسالة المأمون إلى عامله على بغداد إيذانًا بمرحلة جديدة من تاريخ الفكر الإسلامي؛ مرحلة لم يعد فيها السؤال عن القرآن مجرد نقاش بين العلماء، بل أصبح امتحانا يطلب من العلماء أن يمروا به. لقد انتقل السؤال من: ما الحقيقة؟ إلى: من يملك حق إعلان الحقيقة؟ وهنا بدأ التحول.
كان المأمون ابن عصره. ولفهم قراره لا بد من الخروج من الأحكام السريعة التي تختزل الشخصيات التاريخية في صورة واحدة. فهو لم يكن خليفة غارقا في الجهل أو معاديا للفكر. بل كان على العكس من ذلك، أحد أكثر الخلفاء العباسيين اهتماما بالعلم والفلسفة والترجمة. في مجلسه اجتمع العلماء والمترجمون وأصحاب الجدل. وكان يرى أن الأمة التي لا تفكر ستفقد قدرتها على القيادة. لكن التاريخ كثيرا ما يضع الإنسان أمام مفارقة مؤلمة: قد يمنح المرء الحرية للعقل في ميدان، ثم يحاول تقييده في ميدان آخر. وقد يفتح أبواب السؤال، ثم يخشى من بعض الإجابات. وهذا ما حدث.
لقد كان تصور الخلافة في العصر العباسي مختلفا عن التصورات الحديثة للسلطة. لم يكن الخليفة مجرد حاكم يدير شؤون الدولة، بل كان يرى نفسه صاحب مسؤولية دينية عامة. ومن هنا يمكن فهم موقف المأمون. لقد لم يرَ نفسه متدخلا في شأن لا يعنيه. بل رأى أنه يؤدي واجبا. كان يعتقد أن قضية خلق القرآن ليست مسألة هامشية بين العلماء، بل قضية تمس فهم التوحيد. ومن هذا التصور جاء الإلزام. لكن الخطر التاريخي يبدأ غالبًا حين ينتقل الإنسان من الدفاع عن فكرة إلى امتلاك أدوات فرضها. فالفكرة في ميدان العلم تحتاج إلى البرهان. أما في ميدان الدولة فتكتسب معها قوة الأمر والنهي.
وهنا تظهر نقطة دقيقة في فهم المحنة. لم تكن المشكلة في وجود رأي للمأمون. فالخلفاء والعلماء والعامة جميعا لهم آراء. ولم تكن المشكلة في أن يناقش الخليفة العلماء. فالنقاش بين أهل المعرفة أمر طبيعي. المشكلة بدأت حين أصبح الاختلاف في الرأي سببا للامتحان. فالعالم لم يعد يسأل: “ما حجتك؟” بل أصبح يسأل: “هل ستقول ما تريد الدولة سماعه؟” وهنا تغير معنى الكلمة. كان الامتحان في أصله جزءا من تقاليد العلم. فالعالم يمتحن في حفظه. وفي فهمه. وفي قدرته على الدفاع عن قوله. لكن محنة المأمون أخذت معنى آخر. لقد أصبح الامتحان اختبار ولاء فكري. وهذا هو الحد الفاصل بين المعرفة والسلطة. فالعلم يسأل الإنسان عن قوة دليله. أما السلطة فتسأله أحيانا عن مدى توافقه مع قرارها.
وفي هذه اللحظة ظهر اسم أحمد بن حنبل. لم يكن أحمد رجل قصر. ولم يكن صاحب منصب. ولم يكن من أصحاب النفوذ السياسي. كانت قوته في شيء آخر: في مكانته العلمية. وفي ثقة الناس بعلمه. وفي صورته كرجل عاش بعيدا عن أبواب السلاطين. ولهذا كان موقفه حساسا. فحين يرفض صاحب منصب، يمكن أن يقال: إنه يدافع عن موقعه. أما حين يرفض رجل لا يملك إلا علمه وضميره، فإن السؤال يصبح أعمق. لكن أحمد لم يكن وحده. ففي تلك المرحلة ظهر اسم آخر لم يحظَ بالشهرة نفسها: محمد بن نوح. وهو من الشخصيات التي تكشف لنا أن التاريخ لا يصنعه المشهورون وحدهم. فكم من إنسان وقف في الصف الأول من الأحداث ثم ابتلعته الذاكرة، لا لأنه كان قليل الشأن، بل لأن ضوء شخصية كبرى غطى عليه. كان محمد بن نوح رفيق أحمد في الطريق. والطريق هنا ليس مجرد انتقال من مكان إلى مكان. كان رحلة داخلية. رحلة رجلين يخرجان من مدينة العلم إلى مواجهة مصير مجهول.
كانت بغداد خلفهما. والقصر أمامهما. لكن المفارقة أن القصر الذي أراد أن يسمع كلمة من أحمد لم يكن يعلم أن الزمن سيتدخل قبل اللقاء. فبين إرادة الخليفة وإرادة القدر مسافة لا يملك الإنسان قطعها. كان المأمون قد أمر بإحضاره. وكان أحمد يسير إليه. لكن الخليفة مات قبل أن يلتقي بالرجل الذي سيصبح اسمُه مرتبطًا بالمحنة أكثر من اسم أي شخص آخر. وهنا كتب التاريخ واحدة من أغرب مفارقاته: الرجل الذي أراد السلطان أن يختبره… لم يصل إلى السلطان. وموت المأمون لم ينه المحنة. وهذه نقطة تكشف طبيعة السلطة. فالقرارات الكبرى حين تدخل مؤسسات الدولة لا تبقى دائمًا مرتبطة بمن أصدرها. تصبح لها دوائرها. ورجالها. ومكانتها. وقد يصبح التراجع عنها أصعب من اتخاذها. فالسياسة لا تتحرك دائمًا بمنطق الصواب والخطأ فقط. بل بمنطق الهيبة أيضا.
أمّا محمد بن نوح، فقد كان نصيبه من التاريخ أقصر من نصيب أحمد. لكن قصر الذكر لا يعني قلة الأثر. فبعض الرجال يكونون جسورًا يعبر عليها التاريخ، ثم ينسى الناس أنهم كانوا هناك. وتذكر كتب التراجم أن محمد بن نوح توفي في الطريق، قبل أن يصل إلى نهاية الرحلة. رحل الرجل الذي حمل قيده وموقفه، ولم يرَ الفصل الأخير من القصة. لكن موته أضاف إلى المحنة بعدًا إنسانيًا لا يمكن تجاهله. فليست كل الشهادات تُكتب على منصات النصر. بعضها يكتب في الطريق. أما أحمد، فقد واصل المسير. وكان لا يعلم أن اللقاء الذي لم يحدث مع المأمون سيفتح له لقاء آخر. لقاء مع المعتصم. وفي ذلك المجلس القادم ستجتمع ثلاثة عوالم: عالم الخليفة. وعالم المتكلم. وعالم العالم الذي لا يملك إلا ما في قلبه. وهناك ستصل المحنة إلى ذروتها.
يتبع: الجزء الثالث: مجلس المعتصم… حين دخل السوط بعد أن عجزت الحجة
📲 Partager sur WhatsApp