من فقه الأحكام إلى فلسفة العمران: كيف تحولت مدرسة الإمام مالك إلى أحد أعمدة الهوية الدينية والحضارية المغربية؟
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ليست كل الأفكار تولد في زمنها. بعض الأفكار تولد مرة واحدة، ثم تعيش في أزمنة متعددة. تخرج من رحم التاريخ، لكنها لا تبقى أسيرة له. تحمل وجهها الأول، ثم تكتشف وجوها جديدة كلما عبرت من أمة إلى أمة، ومن جيل إلى جيل.وهكذا كان المذهب المالكي. فهو لم يكن مجرد اجتهاد فقهي ظهر في مدينة من مدن الإسلام الأولى، ثم انتقل إلى بقعة أخرى من العالم. كان رحلة طويلة للمعنى. رحلة انتقل فيها العلم من المدينة المنورة إلى الغرب الإسلامي، حتى أصبح في المغرب أكثر من مدرسة فقهية: أصبح جزءا من الذاكرة الحضارية، ومن طريقة المجتمع في فهم الدين والإنسان والزمن.
الإمام مالك… الفقيه الذي كان يرى ما وراء الكلمات
كان الإمام مالك بن أنس واحدا من أولئك الرجال الذين لا تقاس عظمتهم بعدد الكتب التي تركوها، بل بعمق الأثر الذي تركوه في طريقة تفكير البشر. فالعلم عنده لم يكن تراكم معلومات. كان مسؤولية. وكان الفقه ليس مجرد حفظ للأحكام، بل بحثا عن الحكمة التي تجعل الحكم قادرا على ملامسة حياة الإنسان. في المدينة المنورة، حيث كانت الذاكرة الأولى للإسلام لا تزال حاضرة في وجوه العلماء وطرق نقل المعرفة، تشكلت مدرسة مالك. هناك أدرك أن النص لا يعيش في الفراغ. وأن الشريعة ليست بعيدة عن الإنسان، بل جاءت لتبني الإنسان. فكان يبحث عن التوازن: بين الثابت والمتغير. بين الأصل والواقع. بين حفظ الهوية وفهم حركة الزمن.
حين عبرت المدينة نحو المغرب
لا تسافر الأفكار العظيمة كما تسافر القوافل. القافلة تحمل المتاع. أما الفكرة فتحمل الروح. ولهذا لم يكن وصول المذهب المالكي إلى المغرب مجرد انتقال جغرافي. كان لقاء بين تجربة علمية ومجتمع يبحث عن لغة تجمع بين الوحدة والتنوع. انتقلت المالكية عبر مراكز العلم الكبرى في الغرب الإسلامي، من خلال العلماء والرحلات والكتب، حتى أصبحت جزءا من الحياة العلمية والقضائية. ثم خرجت من مجال الدرس إلى مجال العمران. فدخلت المدارس. والمجالس العلمية. والقضاء. وأصبحت مع مرور الزمن إحدى المرجعيات المؤسسة للشخصية الدينية المغربية.
فقه يرى الإنسان قبل المسألة
تكمن قوة المدرسة المالكية في أنها لم تتعامل مع الواقع باعتباره خصما للشريعة، بل باعتباره ميدانا لتنزيل مقاصدها. ومن هنا برزت مفاهيم كبرى مثل المصلحة المرسلة والعرف وسد الذرائع. لم تكن هذه المفاهيم أبوابا مفتوحة بلا ضوابط. بل كانت أدوات لفهم الحياة. فالمصلحة ليست ما يريده الإنسان فقط. بل ما يحقق الخير ضمن ميزان القيم. والعرف ليس كل ما اعتاده الناس. بل ما انسجم مع العدل والمقاصد. وسد الذرائع ليس إغلاقا للحياة. بل محاولة لرؤية الطريق قبل نهايته.
لماذا اختار المغرب المالكية؟
لم يكن اختيار المغرب للمذهب المالكي نتيجة منافسة بين أئمة الإسلام. فالمذاهب الأربعة الكبرى كلها تمثل ثراء علميا عظيما في التاريخ الإسلامي. لكن المجتمعات لا تختار الأفكار في الفراغ. كل بيئة تجد في بعض المدارس ما ينسجم مع أسئلتها وظروفها. فانتشار الحنفية ارتبط تاريخيا ببيئات معينة في المشرق، وانتشار الشافعية والحنابلة ارتبط بمراكز علمية أخرى. أما المغرب، فقد وجد في المالكية مدرسة تجمع بين احترام النص، والقدرة على التعامل مع الواقع، والنظر في مقاصد التشريع. فلم تصبح المالكية في المغرب مجرد مذهب رسمي. بل أصبحت لغة مشتركة تشكلت داخلها قرون من التعليم والقضاء والعلم.
من المذهب إلى النموذج الحضاري
إن المذهب الذي يعيش قرونا لا يعيش بالحفظ وحده. يعيش حين يتحول إلى ثقافة. وإلى مؤسسات. وإلى طريقة في التفكير. ولهذا ارتبطت المالكية في المغرب بتاريخ العلماء، وبالمجالس العلمية، وبنظام القضاء، وبالأوقاف التي ساهمت في دعم الحياة العلمية. فالتراث لا يبقى لأنه محفوظ في الصناديق. يبقى لأنه يتحرك في المجتمع.
في عهد محمد السادس… المرجعية الدينية وروح الاعتدال
في العصر المغربي الحديث، ظل الموروث الديني المغربي حاضرا في تصور الدولة لهويتها الدينية. وفي عهد الملك محمد السادس، استمر التأكيد على المرجعية الدينية المغربية القائمة على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، باعتبارها مكونات أساسية للنموذج الديني المغربي. وقد ارتبط هذا التوجه بتعزيز قيم الوسطية والاعتدال، ودور المؤسسات الدينية والعلمية في التأطير ونشر خطاب يقوم على التوازن والابتعاد عن الغلو. فالدولة لا تبنى فقط بالاقتصاد والسياسة. تبنى أيضا بالمعاني التي تمنح المجتمع انسجامه الداخلي. فالطرق والجسور تربط المدن. أما المرجعيات المشتركة فتربط الأرواح.
فبعد قرون من رحلة الإمام مالك، لا يزال السؤال نفسه قائما: كيف يعيش الإنسان في عالم متغير دون أن يفقد المعنى؟ ولعل الجواب الذي حملته المدرسة المالكية هو أن الحكمة ليست في رفض الزمن، ولا في الذوبان فيه. الحكمة أن يحمل الإنسان جذوره وهو يمشي. أن يعرف من أين جاء، دون أن يخاف إلى أين يذهب. فالأشجار العظيمة لا تعيش لأنها لا تعرف الريح. بل لأنها تعرف كيف تصمد أمامها. وهكذا بقيت المالكية في المغرب. لم تبق لأنها من الماضي فقط. بل لأنها استطاعت أن تجعل من الماضي جسرا إلى المستقبل. فبعض الدول تسكنها الأرواح. وبعض الأفكار لا تعيش في الكتب فقط. تعيش في الأمم التي تعرف كيف تحمل نورها عبر القرون
📲 Partager sur WhatsApp
سؤال يركز ما هو جوهري في المقال:
كيف يعيش الإنسان زمان عصره من دون فقدان المعنى.