المِحْنة… يوم حاولت الدولة أن تحكم السماء

الجزء الثالث: مجلس المعتصم… حين دخل السوط بعد أن عجزت الحجة

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك لحظات في التاريخ يكفي أن يدخل فيها إنسان واحد إلى مكان امتلأ بالقوة, لتصبح عظيمة. في تلك اللحظة لا يعود السؤال: كم عدد الجنود خلفه؟ ولا: كم عدد الأنصار الذين ينتظرونه؟ بل يصبح السؤال: ماذا بقي للإنسان حين تنتزع منه كل أسباب القوة؟ وهنا تبدأ قصة أحمد بن حنبل. دخل أحمد مجلس المعتصم، ولم يدخل معه جيش.لم يحمل سيفا. ولم يكن وراءه منصب. ولم يكن يملك سوى علم طويل، وضميرٍ أثقل من القيود. كان أمامه خليفةٌ من خلفاء بني العباس، في قمة سلطان الدولة التي امتدت من حدود بعيدة إلى أخرى. وكان إلى جانب الخليفة رجال السلطة والعلم، وفي مقدمتهم أحمد بن أبي دؤاد، قاضي القضاة، الذي أصبح أحد أبرز وجوه الاتجاه المؤيد للمحنة. لقد كان المشهد، في ظاهره، مواجهة بين فرد ومؤسسة. لكن في عمقه كان مواجهة بين تصورين لطبيعة الحقيقة: هل تعرف الحقيقة بالحجة؟ أم يمكن أن تحسمها قوة الدولة؟

ومن الضروري هنا أن نقرأ الشخصيات بعيدا عن الصور الأسطورية البسيطة. فأحمد بن أبي دؤاد لم يكن رجلا بلا علم أو عقل. كان من كبار علماء الكلام في عصره، وكان يعتقد أن موقفه دفاع عن التوحيد، وأن القول الذي تبناه المعتزلة ينسجم مع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات. وهذا ما يجعل المأساة أعمق. فالصراعات الكبرى لا تحدث دائما لأن طرفا يحب الحق وطرفا يكره الحق. أحيانا تحدث لأن طرفين يؤمنان بأنّهما يدافعان عن الحق، لكنّهما يختلفان في الطريق. جلس أحمد. وبدأ الحوار. والروايات التي نقلت تفاصيل المجلس تختلف في بعض الألفاظ والجزئيات، كما هي طبيعة الأخبار التاريخية التي وصلت عبر أجيال من الرواة، لكن الصورة العامة بقيت واضحة: سؤال عن القرآن. جواب من أحمد. حجة من أهل الكلام. وثبات من العالم الذي رأى أن المسألة تجاوزت حدود المناظرة. فهو لم يكن يرفض مجرد رأي فكري. بل كان يرفض أن يتحول هذا الرأي إلى امتحان مفروض على الضمائر.

كان الخلاف الحقيقي أعمق من عبارة واحدة. فالمعتزلة انطلقوا من سؤال: كيف نحافظ على التوحيد الخالص؟ ورأوا أن القول بقدم الكلام الإلهي قد يؤدي إلى إشكالات في تصورهم. أما أحمد وأهل الحديث فانطلقوا من سؤال آخر: كيف نحافظ على ما جاء به الوحي دون أن نجعل العقل حاكما على ما لا يحيط به؟ وبين السؤالين كان هناك تاريخ كامل من الاجتهاد. لكن المشكلة أن الدولة دخلت بينهما. وحين تدخل الدولة في الخلاف الفكري، فإنها لا تضيف قوة فقط. بل تضيف خطرا. لأن الرأي الذي كان يحتاج إلى الإقناع يصبح قادرا على استخدام الإكراه. كان المعتصم في موقف معقد. فهو لم يكن المأمون. لم يكن صاحب المشروع الفكري نفسه. لكنّه ورث القضية. ورث قرارا أصبح جزءا من هيبة الدولة. والحاكم حين يرث قرارا كبيرا لا يرث فقط مضمونه. بل يرث أيضا ثقل التراجع عنه. فالتراجع في عالم السياسة لا يقرأ دائما بوصفه مراجعة. قد يقرأ بوصفه ضعفا. وهكذا يجد السلطان نفسه أحيانا أسيرا لما ورث.

وتنقل كتب الأخبار أن المعتصم حاول أن يحمل أحمد على الموافقة، وأنه كان يخاطبه أحيانا باللين. وهذا التفصيل مهم. لأن التاريخ لا ينبغي أن يحول المعتصم إلى صورة جامدة للبطش. كان رجلا أمام معضلة. بين قناعة الدولة. وبين رجل لا يريد أن يغير قوله. بين هيبة الخليفة. وثبات العالم. لكن الحوار طال. والمناظرة لم تنتج النتيجة التي أرادها أصحاب السلطة. وهنا ظهرت لحظة التحول الكبرى. حين تعجز الحجة عن إنهاء الخلاف، ويستدعى الألم. وهذه لحظة تتكرر في تاريخ البشر. حين لا يستطيع الإنسان أن يقنع خصمه، يحاول أحيانا أن يسكت صوته. لكن الصمت الذي ينتجه الخوف ليس اقتناعا. والكلمة التي تنتزع بالقوة لا تصبح حقيقة. تذكر المصادر أن أحمد بن حنبل ضُرب في عهد المعتصم. وقد اختلفت الروايات في تفاصيل الواقعة، لكن أصل الحدث بقي حاضرا في كتب التاريخ والتراجم. وهنا لم يعد الأمر مجرد خلاف بين مدرستين فكريتين. فقد دخل عنصر جديد: الجسد. لقد أصبحت القضية تكتب على ظهر رجل.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فالقوة التي أرادت أن تنهي السؤال جعلته أبقى. لأن الناس قد ينسون من ربح مناظرة. لكنهم لا ينسون رجلا دفع ثمن موقفه. فالمناظرة تحفظ في الكتب. أما التضحية فتحفظ في الوجدان. خرج أحمد من المجلس. خرج ضعيف الجسد. لكن شيئا آخر كان قد تغير. لقد تحولت المحنة من قضية بين نخبة العلماء إلى قضية مجتمع. صار الناس لا يرون فقط مسألة في علم الكلام. صاروا يرون إنسانا أمام سلطة. وصار السؤال الذي يردده الجميع: هل يملك الحاكم أن يأمر القلب بما لا يعتقد؟ ومن هنا بدأ فصل جديد. فالدولة التي أرادت أن تجعل أحمد مثالًا لمن يخضع، ساهمت في جعله مثالا لمن يصبر. والرجل الذي دخل المجلس عالما معروفا، خرج منه رمزا تاريخيا. ليس لأنه هزم إمبراطورية. بل لأنه كشف حدودها. فالإمبراطوريات قد تملك الأرض. لكنّها لا تملك دائما ما يحدث في أعماق الإنسان.

يتبع: الجزء الرابع: من السجن إلى الخلود… كيف تحولت محنة أحمد بن حنبل إلى ذاكرة أمة، ولماذا بقي السؤال بعد رحيل الجميع

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *