في مفاوضة المستقبل كما رسمه الخطاب الملكي

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك خطابات تولد لترافق حدثا، ثم تمضي مع انقضاء المناسبة. وهناك خطابات أخرى لا تنتهي عند آخر جملة، لأنها لا تخاطب اللحظة، بل تعيد كتابة العلاقة بين الدولة والزمن. والخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش ينتمي إلى هذا الصنف الثاني؛ إذ لا يكتفي بعرض حصيلة أو إعلان أولويات، بل يقترح هندسة فكرية جديدة لفهم الدولة المغربية في عالم يتغير بسرعة تفوق قدرة المفاهيم التقليدية على اللحاق به. للوهلة الأولى يبدو الخطاب اقتصاديا، لكنه في جوهره خطاب في فلسفة الدولة. إنه لا يتحدث عن النمو باعتباره رقما، بل باعتباره وسيلة لإعادة تعريف السيادة. ولا يتحدث عن الاستقرار باعتباره حالة أمنية، بل باعتباره رأسمالا استراتيجيا. ولا يتناول الصناعة بوصفها قطاعا إنتاجيا، بل باعتبارها لغة جديدة لاستقلال القرار الوطني.

لقد جرت العادة أن تفسر سيادة الدول بقدرتها على حماية الحدود. لكنّ الخطاب ينقل النقاش إلى مستوى أكثر تعقيدا، حيث تصبح السيادة قدرة الدولة على إنتاج غذائها، وتأمين دوائها، وبناء صناعاتها، والتحكم في طاقتها، وتطوير تقنياتها، والدخول إلى الصناعات الدّفاعية والسيبرانية. إنّها قطيعة هادئة مع مفهوم الدولة الريعية، وانتقال نحو مفهوم الدولة المنتجة، التي لا تستورد أمنها الاقتصادي من الخارج، بل تصنعه داخل حدودها. في هذا السياق، لا يعود الحديث عن تغطية نسبة كبيرة من الاحتياجات الوطنية في الصناعات الغذائية والدوائية مجرد مؤشر اقتصادي، بل يتحول إلى إعلان عن تحول في فلسفة الأمن القومي. فالقرن الحادي والعشرون لم يعد يعرف المجاعات التي تنتج عن قلة الغذاء فقط، بل عن انقطاع سلاسل الإمداد. ولم تعد الحروب تبدأ بالدبابات وحدها، بل قد تبدأ بشريحة إلكترونية، أو بمكون دوائي، أو بميناء يتوقف عن العمل، أو بخط ملاحة يغلق. لذلك فإن الاكتفاء الذّاتي أصبح أحد أعمدة السيادة.

واللاّفت أنّ الخطاب لم يضع الاستقرار في مقابل التنمية، بل جعل الاستقرار شرطا لإمكان التنمية نفسها. هنا تتبدى إحدى أكثر الرسائل عمقا. فالاستقرار، في هذه القراءة, هو وجود مؤسسات قادرة على الاستمرار والعمل في بيئة إقليمية مضطربة. إنّه الفرق بين دولة تتفاعل مع الأحداث، ودولة تبني قدرتها على امتصاص الصدمات. فالاستقرار لم يقدم بوصفه حالة جامدة، وإنّما بوصفه طاقة إنتاجية تتيح للاقتصاد أن يخطّط، وللمستثمر أن يغامر، وللمجتمع أن يراكم الثقة. لكن الخطاب لا يقع في غواية الاحتفاء بالمؤشرات الكلية وحدها. فهو يطرح سؤالا أكثر إرباكا: ماذا تعني نسب النمو إذا لم يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟ هنا ينتقل النص من الاقتصاد إلى الفلسفة السياسية. فنجاح الدولة لا يكتمل عندما تتحسن الماكرو اقتصادية فقط، بل عندما تتحول تلك الأرقام إلى مدارس أفضل، ومستشفيات أكثر كفاءة، وفرص عمل أوسع، وعدالة مجالية تقلص الفوارق بين الجهات. إنّها لحظة يعترف فيها الخطاب بأنّ قوة الاقتصاد لا تقاس بما تنتجه الجداول الإحصائية وحدها، بل بما ينعكس على كرامة الإنسان.

ومن أكثر التحولات دلالة في الخطاب أنّه يقدم الصّناعة بوصفها لغة المستقبل. فالحديث عن صناعة السيارات، والطيران، والبطاريات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر، ليس استعراضا لقطاعات اقتصادية، بل رسم لخريطة جديدة لموقع المغرب داخل سلاسل القيمة العالمية. فالدولة التي تصنع محركات الطائرات لا تنتج قطعة صناعية فقط، بل تدخل ناديا تكنولوجيا كانت عضويته حكرا على عدد محدود من الدول. والدولة التي تستثمر في الهيدروجين الأخضر لا تبحث عن مصدر جديد للطاقة فحسب، بل تراهن على اقتصاد لم يولد بالكامل بعد. إنها سياسة تقوم على استباق الزمن، لا على انتظار نتائجه. وفي البعد الدولي، يتجنب الخطاب لغة الاصطفافات الحادة، ويقدم صورة لدبلوماسية تقوم على تنويع الشراكات والانفتاح على مراكز القوة المختلفة. وهذه ليست مجرد مقاربة في السياسة الخارجية، بل انعكاس لتحول أعمق في النظام الدولي، حيث لم تعد الدول المتوسطة تبحث عن حماية طرف واحد، وإنّما عن توسيع هوامش حركتها الاستراتيجية، حتى لا يصبح قرارها الوطني رهينة لتقلبات التوازنات العالمية.

ومن زاوية أخرى، يحمل الخطاب رسالة مؤسساتية واضحة عندما يربط المشاريع الكبرى باستمرارية الدولة، لا بتعاقب الحكومات. فهو يقدم التنمية باعتبارها مسارا تراكميا تتكامل فيه المؤسسات، وتتعاقب عليه السياسات، من دون أن تنقطع الخيوط التي تربط الماضي بالمستقبل. إنّها رؤية تجعل الزمن نفسه جزءا من المشروع السياسي، بحيث يصبح الإنجاز نتيجة تراكم، لا ثمرة لحظة منفردة. ومع ذلك، فإنّ أكثر ما يميز الخطاب ليس ما يقوله، بل ما يدعو إلى التفكير فيه. فهو يضع المغرب أمام سؤال فلسفي لا يخصه وحده، بل يخص جميع الدول الصاعدة: كيف يمكن الجمع بين الانفتاح على العولمة والحفاظ على السيّادة؟ وكيف يمكن تحقيق النّمو من دون أن يتحول إلى أرقام منفصلة عن الإنسان؟ وكيف تستطيع الدولة أن تبني قوة صناعية وتكنولوجية، وفي الوقت نفسه تحافظ على التوازن الاجتماعي؟

إنّ قيمة هذا الخطاب لا تكمن في أجوبته وحدها، بل في نوعية الأسئلة التي يفرضها على النقاش العمومي. فهو ينقل مفهوم التنمية من مجرد سباق نحو النمو إلى مشروع حضاري، وينقل مفهوم السيادة من شعار سياسي إلى منظومة إنتاج ومعرفة وقدرة على اتخاذ القرار. وربما لهذا السبب، فإن الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش تبدو، في ضوء هذا الخطاب، أكثر من مناسبة وطنية. إنّها لحظة للتأمل في كيفية انتقال الدولة من إدارة الحاضر إلى هندسة المستقبل، ومن منطق رد الفعل إلى منطق بناء القدرة، ومن الاكتفاء بقراءة العالم إلى السعي لامتلاك موقع فاعل في إعادة تشكيله. وهكذا لا يعود السؤال: ماذا قال الخطاب؟ بل يصبح السؤال الأعمق: أي صورة للدولة يريد أن يرسمها للمستقبل؟ وعندما يصبح السؤال أكبر من المناسبة، وأوسع من اللحظة، يدرك القارئ أنّه أمام خطاب لا يكتفي بوصف الواقع، بل يحاول أن يمنح الزمن نفسه اتجاها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *