الجزء الرابع: من السجن إلى الخلود… كيف تحولت محنة أحمد بن حنبل إلى ذاكرة أمة
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
لم تكن لحظة خروج أحمد بن حنبل من مجلس المعتصم نهاية المحنة. فبعض الأحداث لا تنتهي حين يتوقف الألم. بل تبدأ. هناك فرق بين الإنسان الذي يتعرض للابتلاء، والرمز الذي يولد من الابتلاء. الأول يعيش التجربة. أما الثاني فتعيش التجربة من خلاله. وهكذا كان أحمد. فالرجل الذي دخل قصر الخليفة بوصفه عالما من علماء بغداد، خرج منه وقد حمل الناس قصته إلى أماكن لم يصل إليها صوته. لقد انتقلت المحنة من مجلس ضيق تحكمه الحواجز والحرس، إلى فضاء أوسع: إلى ذاكرة الناس.
إن الدول تكتب القرارات. لكن الشعوب تكتب القصص. والقرارات قد تنتهي بانتهاء أصحابها. أما القصص التي تمس وجدان الناس فقد تعيش قرونا. لم يكن عامة الناس في بغداد جميعا علماء في مسائل الكلام. ولم يكونوا قادرين على متابعة دقائق الجدل بين المعتزلة وأهل الحديث. لكنهم فهموا شيئا أبسط وأعمق: رجلٌ طُلب منه أن يقول كلمةً لينجو، فاختار أن يتحمل الألم بدل أن يقول ما لا يعتقد. وهذه الصورة لا تحتاج إلى شرح طويل. لأن الإنسان، في كل عصر، يعرف معنى أن يقف وحده أمام قوة أكبر منه. وهنا تكمن قوة أحمد التاريخية. فالأبطال في ذاكرة الأمم لا يصنعهم الانتصار وحده. أحيانا يصنعهم الثمن. قد ينتصر قائد لأنه يملك جيشا. وقد يخلد عالم لأنه لم يملك إلا صمته. ففي لحظة المحنة لم يكن أحمد ينافس الدولة في أدواتها. لم يكن يريد منصبا. ولم يطلب نفوذا. ولم يسعَ إلى تحويل الخلاف الفكري إلى صراع على الحكم. كان يطالب فقط بأن يبقى له حقه في أن يقول ما يراه حقا. وهذا هو الذي منح موقفه قوته الرمزية.
لكن من المهم أن نفهم موقف أحمد في سياقه. فلم يكن رجل ثورة سياسية. ولم يكن مشروعه إسقاط الدولة أو فتح باب الفوضى. بل كانت رؤيته، كما تنقل كتب سيرته، قائمة على الصبر على ظلم الحكام ورفض الفتن التي تؤدي إلى سفك الدماء. وهنا تظهر دقة شخصيته. لقد فصل بين أمرين: بين رفض الإكراه في الاعتقاد. وبين الحفاظ على وحدة المجتمع. لم يكن يريد أن يستبدل سلطانا بسلطان. بل كان يريد أن يبقى هناك مجال لا تملكه السلطة: مجال الضمير. ثم جاءت سنوات الواثق. واستمرت سياسة الامتحان. وهنا تظهر طبيعة القرارات الكبرى حين تتحول إلى جزء من هيبة الدولة. فالمشكلة لم تعد فقط في الفكرة نفسها. بل في ارتباط الفكرة بصورة السلطان. فالرجوع عنها لم يعد مجرد مراجعة علمية. بل أصبح في نظر أصحاب القرار تراجعا سياسيا. وهكذا قد تتحول السلطة إلى سجين لقرارها.
لكن التاريخ كان يسير في اتجاه آخر. فكلّما طال الإكراه، زاد حضور السؤال. وكلّما حاولت السلطة أن تغلق باب النقاش، اتسع النقاش في الذاكرة. لأنّ الفكر لا يموت بالمنع. قد يصمت. قد يختبئ. قد ينتظر. لكنّه يعود حين تتغير الظروف. ثم جاء المتوكل. وكان انتهاء المحنة تحولا كبيرا في سياسة الدولة. عاد أهل الحديث إلى مساحة أوسع من الحضور. وتغير الاتجاه الرسمي للخلافة. لكن نهاية المحنة تحمل درسًا لا يقل أهمية عن بدايتها: أن انتصار طرف تاريخيا لا يعني أن التاريخ كان مجرد مباراة بين ملائكة وشياطين. فالمعتزلة كانوا جزءا من التراث الفكري الإسلامي. وكان لهم أثر في تطوير الجدل العقلي والدفاع عن العقائد. لكن التجربة التاريخية أظهرت أن تحويل فكرة فكرية إلى أداة إلزام سياسي يخلق أزمة تتجاوز الفكرة نفسها. فالبرهان يعيش بالحوار. أما الإكراه فيترك جرحا.
ولهذا بقيت المحنة. لم تبق لأنها حسمت مسألة كلامية فقط. بل لأنها كشفت سؤالا إنسانيا خالدا: أين تنتهي سلطة الحاكم؟ وأين تبدأ حرية الإنسان الداخلية؟ وهنا نفهم العبارة الشهيرة المنسوبة إلى علي بن المديني: “أعز الله هذا الدين بأبي بكر يوم الردة، وبأحمد بن حنبل يوم المحنة.” وقد اختلف العلماء في ثبوت هذه العبارة، لكن انتشارها يكشف عن مكانة الرجلين في الذاكرة السنية. فقد رأى الناس في أبي بكر موقفا حفظ وحدة الجماعة في لحظة اضطراب سياسي وديني. ورأوا في أحمد موقفًا حفظ، في تصورهم، استقلال العالم أمام ضغط السلطة. لم تكن الظروف واحدة. ولم تكن الوسائل واحدة. لكن الجامع في الذاكرة كان معنى واحدا: إنسان يقف في لحظة اختبار، ويرفض أن يجعل الخوف هو الذي يقرر عنه.
وهنا نصل إلى السؤال الأكبر: لماذا بقيت المحنة بعد أكثر من ألف عام؟ لأنها ليست قصة الماضي فقط. إنها مرآة. كل عصر ينظر فيها ويرى سؤالا من أسئلته. حين تحاول سلطة ما أن تجعل رأيا واحدا معيارا للحق، تعود المحنة إلى الذاكرة. وحين يجد عالم نفسه بين السلامة والصدق، يعود سؤال أحمد. وحين يسأل الإنسان: ما الشيء الذي لا أستطيع أن أتنازل عنه؟ يعود صدى ذلك الطريق القديم بين بغداد وموضع اللقاء الذي لم يحدث مع المأمون. لقد رحل المأمون. ورحل المعتصم. ورحل أحمد بن أبي دؤاد. ورحل أحمد بن حنبل. ورحل أولئك الذين حملوا القيود في الطريق. لكن ما بقي ليس أسماء فقط. بل درس.
يتبع: الجزء الخامس والأخير: المحنة في ميزان التاريخ… حين تصبح قصة القرن الثالث سؤالا عن الإنسان في كل زمان
📲 Partager sur WhatsApp
المحنة ظاهرة عربية حربها كثير من المثقفين عبر ربوع أرض الإسلام. وتدخل هذه الظاهرة ضمن ما يمكن الحديث عنه باعتباره صراعا بين السلطتين، السياسية والدينية.
محنة ابن حنبل دليل صارخ على زمن هذه الإشكالية، في القرنين الثاني والثالث الهجريين. من اعتماد السلطة على المعتزلة وانفتاخ بيت الحكمة على الثقافتين الفارسية والإغريقية، كان خطاب ابن حنبل تحت المجهر…وهناك من عاشها من خلال محاربة كتبه وإحراقها، ابن رشد على سبيل التمثيل، ابن الخطيب الذي تم حرقه وعلقت جثته في ” باب محروق بفاس هذا مع التدقيق في تفصيلات هذا الحدث وهو يعرف تاريخ الصراع من ذاهب عين الإشكالية….وهو الوضع عينه مطروح إلى الآن.