بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك رجال لا يدخلون ذاكرة الأوطان من أبواب عادية، ولا يصنعون حضورهم بكثرة الحديث، بل يتركون الزمن يتولى مهمة التعريف بهم. فبعض الرجال يشبهون الجبال: لا ترفع صوتها لتثبت عظمتها، ولا تحتاج إلى من يصف صلابتها، يكفي أنها بقيت واقفة حين مرت عليها العواصف، وحين تغيرت الفصول، وحين انحنت أمام الرياح أغصان كثيرة. في الجهات التي تعرف معنى الصبر، حيث تمتد الأرض بلونها الصارم وتتعلم النفوس من قسوة الطبيعة معنى الثبات، يولد رجال يحملون في طباعهم شيئا من ملامح المكان. فالإنسان ابن بيئته، يحمل من ترابها ذاكرة، ومن تاريخها عزيمة، ومن مسالكها الطويلة قدرة على السير حين يطول الطريق.
ومن هذه الزاوية، يقرأ كثيرون مسار فوزي لقجع، ابن المنطقة الشرقية، الرجل الذي ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بتجربة تدبيرية أثارت اهتمام المتابعين، خاصة في مجال كرة القدم المغربية، حيث شهد هذا القطاع تحولات وحضورا لافتا على المستويين القاري والدولي. ولا يمكن اختزال النجاحات في شخص واحد، فكل إنجاز وطني كبير هو ثمرة عمل جماعي، تشترك فيه المؤسسات والأطر واللاعبون والمدربون وكل الطاقات التي تعمل خلف الستار. لكن القيادة تظل عاملا حاسما، لأنها القدرة على جمع الطاقات، وترتيب الأولويات، وتحويل الفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى واقع.

إنّ المسؤول الحقيقي لا يعرف فقط من خلال المنصب الذي يشغله، بل من خلال الأثر الذي يتركه. فهناك من يمرون في المواقع كما يمر الضوء على سطح الماء، وهناك من يتركون وراءهم تغييرا يشبه النقش على الصخر. لقد قدمت تجربة فوزي لقجع صورة لمسؤول يعتمد على التنظيم والانضباط والاشتغال المستمر، وهي عناصر تجعل أي مؤسسة قادرة على التطور حين تتوفر الرؤية والإرادة. فالنجاح في تدبير الملفات الكبرى لا يقوم على الحماس وحده، بل يحتاج إلى نفس طويل، وإلى قدرة على مواجهة الانتظارات والانتقادات، وإلى إيمان بأن العمل المتواصل هو الطريق الأقصر نحو النتائج. أما دخوله إلى المجال الحزبي، فقد فتح بابا للنقاش حول انتقال خبرة تدبيرية من مجال الرياضة إلى فضاء السياسة. والسياسة، كما يعرف الجميع، مجال مختلف له قواعده وتحدياته، ولا يكفي فيه النجاح في مجال آخر، بل يبقى الاختبار الحقيقي هو القدرة على خدمة المواطن، والمساهمة في النقاش العمومي، وتحويل التجارب السابقة إلى قيمة مضافة داخل المؤسسات.
ومهما اختلفت القراءات حول هذه الخطوة، فإنّ حضور كفاءات ذات تجربة في مجالات متنوعة يمكن أن يشكل فرصة لإغناء الحياة العامة، إذا اقترن بالإنصات والمسؤولية والالتزام بالمصلحة العليا للوطن. إنّ المغرب اليوم يعيش مرحلة تتطلب رجالا ونساء قادرين على مواكبة الأوراش الكبرى التي تعرفها المملكة، تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في مجالات التنمية والاستثمار وتعزيز الحضور الدولي للمغرب. وهذه المرحلة تحتاج إلى كفاءات تجمع بين المعرفة والقدرة على التنفيذ، وبين الطموح والوفاء للمسؤولية. وبالنسبة لي، كابنة للمنطقة الشرقية، فإن الاعتزاز بأحد أبناء هذه الأرض لا يعني إلا تقدير قيمة الانتماء، والإيمان بأن كل جهة من جهات المغرب قادرة على أن تقدم للوطن طاقات تساهم في بنائه. فالشرق المغربي، بما يحمله من تاريخ وذاكرة ورجال، ظل دائما جزءا أصيلا من قصة المغرب الكبرى.

لكن أجمل ما يمكن أن يقال عن أي مسؤول ليس أنّه وصل، بل كيف وصل، وماذا أعطى، وما الأثر الذي تركه بعد سنوات من العمل. فالمناصب عابرة، أمّا الأعمال فتبقى شاهدة. لا تصنع الأيام مكانة الرجال بما يقولونه عن أنفسهم، بل بما يقوله عنهم أثرهم. فالجبال لا تكتب سيرتها، لكنّها تترك ظلالها على كل من مر بجانبها. وهكذا يبقى الوطن في حاجة دائما إلى رجال يجعلون من المسؤولية عهدا، ومن العمل لغة، ومن خدمة المغرب غاية تتجاوز الأشخاص والمواقع. فالتاريخ لا يحتفظ إلا بمن جعلوا من وجودهم إضافة، ومن جهودهم رسالة، ومن الوطن أكبر من كل طموح شخصي.
📲 Partager sur WhatsApp
السكوت بصدد ما ينتمي لقضايا القلب، ابلغ من الصمت ومن كل كلمة. هكذا يتكلم الحكماء.الأمم لا تختلف بنوعية بعض المواقف أو الخرجات، بل بالسردية التي تقف خلف صورة الدولة في العالم. لذلك يكون الموقف الصمون أقوى من حيث المسؤولية والجسدية، عوض من ينهج الضجيج.