بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في كل مرة يظن الإنسان أنّه يقف أمام صندوق الاقتراع وحيدا، يكون قد دخل منذ زمن طويل إلى متاهة لا ترى. هناك، لا تتحرك الأفكار وحدها، بل تتحرك أيضا الأشياء التي نظنّها صامتة. اليد التي تمسك القلم، والقدم التي تخطو أوّلا، والعين التي تميل إلى جهة دون أخرى، وحتى الطريقة التي ينحني بها الجسد أمام الريح. كأن السياسة ليست مجرد معركة بين برامج وأحزاب، بل حوار سري بين الجسد والقدر، وبين العصب والرمز، وبين ما نختاره وما اختارنا قبل أن نعرف معنى الاختيار.
الدراسة التي أشارت إلى أنّ من يعلنون أنفسهم يسرا قد يميلون في المتوسط إلى مواقع سياسية أقرب إلى اليسار، لا تقدم حكما نهائيا، ولا تفتح بابا لقدر بيولوجي لا مهرب منه. إنّها تضع مرآة غريبة في منتصف الطريق، مرآة لا تعكس الوجوه، بل تعكس العلاقة الخفية بين الهوية والخيال. فحين يقال للإنسان منذ طفولته إنّه مختلف، يبدأ العالم كله في إعادة كتابة نفسه داخل روحه. ليس لأنه ولد بيد أخرى، بل لأنّ الكون يعامله كما لو أنّه خرج من باب جانبي في مصنع الخليقة.
الغرابة هنا لا تكمن في اليد، بل في اللغّة التي تحيط بها. فاليسار لم يكن في تاريخ البشر مجرد جهة. لقد كان كهفا رمزيا تراكمت فوق جدرانه قرون من الظّنون. جهة نسبت إليها الأشباح، والبدع، والاختلاف، والتمرّد، ثم جاء عصر آخر فصبغها بلون الثورة، والعدالة، والرغبة في قلب الطاولة على من يجلس فوقها. وهكذا أصبح اليسار الجغرافي يتنفس داخل اليسار السياسي، حتى بدا كأنّ الكلمات نفسها تصاب بعدوى الاتجاهات. لكن العقل لا يعيش داخل الكلمات وحدها. إنّه يسكن أيضا داخل الحكايات التي يرويها عن نفسه. الإنسان الذي يعرف نفسه بأنّه أيسر لا يحمل مجرد وصف جسدي، بل يحمل راية خفية تقول له كل صباح: أنت لست من السرب الكامل. وحين يكبر، قد يصبح أكثر استعدادا للإنصات إلى كل خطاب يمنح المختلفين مقعدا في قلب المدينة بدل أن يتركهم عند أسوارها. ليس لأنّ العصب أملى عليه ذلك، بل لأنّ التجربة صنعت داخله جغرافيا أخرى.
الأغرب أنّ الدماغ نفسه يبدو كمدينة أسطورية شيدها مهندس يعشق المفارقات. نصف منه يضيء بينما النصف الآخر يحلم. نصف يبني الجسور، والنصف الآخر يحفر الأنفاق. وفي الأعماق، لا توجد مملكة مستقرة، بل محيط تتصارع فيه قارات عصبية لا تكف عن تغيير خرائطها. الأفكار ليست جنودا يسيرون في صفوف مستقيمة، بل أسراب طيور زجاجية تغير اتجاهها كلما مر ظل مجهول فوق الماء. ولو استطاع الإنسان أن يرى قراراته وهي تولد، لما وجد خطيبا يقف فوق منصة العقل، بل لوجد غابة من الأصوات. جذور الطفولة تتحدّث مع أغصان التعليم. رائحة بيت قديم تتجادل مع عنوان في صحيفة. نظرة معلم منسية تساوم جرحا لم يلتئم. وكل ذلك يدور في طاحونة لا يسمع هديرها أحد. ثم، فجأة، تخرج ورقة الاقتراع كأنّها ثمرة ناضجة، بينما الشجرة التي أنبتتها ما زالت مختبئة تحت الأرض.

لهذا لا ينبغي أن يغرينا بريق الأرقام فنحولها إلى أسطورة جديدة. فالإحصاء يشبه منجما يعثر على ذرة ذهب، لكنه لا يخبرنا كيف ولدت الشمس التي صنعت ذلك الذهب. إن وجود ارتباط بين ظاهرتين لا يعني أن إحداهما تلد الأخرى. قد تكون بينهما قارة كاملة من الأسباب المجهولة، وقد يكون الرابط مجرد نهر رمزي يعبر الوعي من دون أن يترك أثرا مرئيا. ولعل أعظم خدعة يمارسها العقل أنه يقنعنا بأننا أصحاب القرار المطلق. غير أن الإنسان أشبه بقلعة تمشي على قدمين، جدرانها مبنية من طوب لم يصنعه بنفسه. اللغة التي ورثها، والخوف الذي استيقظ فيه قبل أن يعرف اسمه، والقصص التي سمعها قبل النوم، والأشياء التي ضحك لها المجتمع، والأشياء التي عاقبها، كلها تتحول مع الزمن إلى مهندسين سريين يعيدون تصميم غرف الروح. وحين يظن أنه اختار بحرية، يكون في أحيان كثيرة قد سار في الممر الذي رسمته تلك الأيدي الخفية منذ سنوات بعيدة.
وربّما لهذا تبدو السياسة أقرب إلى أسطورة منها إلى معادلة. كل ناخب يحمل داخله متحفا لا يراه أحد. في قاعة منه يقف الطفل الذي كان يخشى السخرية. وفي أخرى يقف الأب الذي علمه معنى السلطة. وفي ثالثة يجلس شاعر مجهول يلون العالم بما يشتهي لا بما يرى. وعندما يحين موعد التصويت، لا يضع الإنسان ورقة في صندوق، بل يطلق ذلك المتحف كله في لحظة واحدة، كأن آلاف الأشباح القديمة تمد أصابعها لتضع علامة واحدة على الورقة. وهكذا تصبح اليد مجرد باب، لا صاحب البيت. ويصبح الاتجاه مجرد اسم، لا الحقيقة كلها. أما القرار السياسي، فهو طائر أسطوري خرج من بيضة صنعتها قرون من الرموز، والذكريات، والانفعالات، والتجارب، والصدف، والأحلام. وكل دراسة تكشف خيطا من هذه الشبكة الهائلة، لكنها لا تمسك النسيج كله. فالإنسان أعمق من أن يفسره عصب واحد، وأعقد من أن تختصره يد، وأكثر غرابة من أن يوضع بين يمين ويسار. إنه قارة تمشي في هيئة فرد، ومجرة ترتدي معطفا بشريا، وكل صوت انتخابي ليس سوى ومضة صغيرة تصدر عن كون داخلي لا تزال خرائطه مجهولة حتى لساكنه.
📲 Partager sur WhatsApp
السياسة لعبة، ومنها اللعبة الديموقراطية: جند الفريق وانزل النزال، هيء من يصفق ومن يصرخ باعتباره يدافع عن فريق لا عن وطن، عن زبناء الدار لا عن شعب. كل فريق يرى نفسه فريق القبيلة والدم والزبونية، لا قيم تلك اللعبة. ما يفسر مسألة تشابه البرامج وإن إختلفت يافطات الدكاكين. أما تدبير الصراع فيتم، ليس من أجل قيمة بل من أجل المنصب وما يرتبط به من جاه….سامر اللعبة ويصفر الحكم وينفض الجمهور، الذي رباه الجدة على الصبر، إلى حال سبيله كله انتظارات معلقة. إلى أن يثبت التاريخ غير ذلك.