بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في الحروب الطويلة، لا تكون أخطر الجمل تلك التي تعلن بداية المعركة، بل تلك التي تعيد تعريف الطريق إلى نهايتها. وحين يعلن أن الانسحاب العسكري لن يتم إلا بعد نزع السلاح الكامل لحركة حماس، فإن العبارة لا تصف ترتيبا ميدانيا فحسب، بل تعلن عن تصور كامل لمعنى الأمن، ولمعنى السلام، وللترتيب الذي ينبغي أن يولد به المستقبل. فالسياسة، في مثل هذه اللحظات، لا تغير الكلمات فقط. إنها تعيد ترتيب الزمن نفسه. تجعل النهاية شرطا للبداية، وتجعل البداية مؤجلة إلى أن تتحقق النهاية. ومن هنا تبدأ المعضلة. غزة ليست رقعة جغرافية صغيرة كما توحي الخرائط. إنها مساحة كثيفة من التاريخ، تضيق بالأرض وتتسع بالرموز. فالخرائط تقيس المسافات بالأمتار. أما الصراعات، فتقيسها بالذاكرة. وليس في العالم ذاكرة أثقل من ذاكرة أرض تراكمت فوقها الحروب حتى أصبح الغبار نفسه يحمل أسماء قديمة. كل طبقة من تراب غزة تبدو كأنها صفحة من كتاب لم يسمح له أن يصل إلى فصله الأخير. ولهذا، فإن أي حديث عن الأمن، أو الانسحاب، أو السلاح، لا يتحرك فوق أرض محايدة، بل فوق طبقات متراكمة من الخوف والشك والدمار والتجارب الفاشلة.
هناك من ينظر إلى السلاح بوصفه أصل المشكلة. وهناك من يراه نتيجة لها. وبين الرؤيتين تتحرك الدبلوماسية كما تتحرك سفينة في بحر لا تتفق أمواجه على اتجاه الريح. فإذا قيل إنّ نزع السلاح يسبق الانسحاب، فإن الفكرة تقوم على أن الأمن هو المدخل إلى السياسة. أمّا إذا قيل إن إنهاء الاحتلال أو العمليات العسكرية يسبق نزع السلاح، فإنّ الفكرة المعاكسة ترى أن السياسة هي المدخل إلى الأمن. وهنا لا يكون الخلاف حول الوسائل. بل حول ترتيب الأسباب والنتائج. وهذا من أعقد أنواع الصراعات، لأن كل طرف يرى نفسه يبدأ من المنطق، بينما يرى الطرف الآخر أنه يبدأ من الوهم.

إنّ التاريخ يعلمنا أن السلاح لا يعيش وحده. إنه ينبت، مثل نبات بري، في تربة معينة. وحين تتغير التربة، يتغير مصيره. ولذلك، فإن اختزال الأزمة في قطعة معدن تحملها يد، قد يحجب السؤال الأوسع: ما الذي جعل هذه اليد تتمسك بها أصلا؟ وفي المقابل، فإن تجاهل أثر السلاح على المدنيين وعلى أي مشروع للاستقرار، يحجب بدوره حقيقة أخرى لا تقل ثقلا. لهذا، فإن كل قراءة تختزل المشهد في بعد واحد، إنّما ترى نصف الصورة وتترك نصفها الآخر في الظل. ففي الشرق الأوسط، كثيرا ما تتحول اللغة إلى متاهة. كل كلمة تحمل قاموسين. السلام عند طرف يعني الأمن. وعند آخر يعني العدالة. والسيادة عند طرف تعني السيطرة. وعند آخر تعني التحرر. حتى الانسحاب نفسه، قد يراه فريق نهاية لحرب، بينما يراه آخر مجرد فصل جديد منها. ولهذا تبدو المفاوضات أحيانا كأنها لقاء بين أشخاص يستخدمون الكلمات نفسها، لكنهم يعيشون داخل معاجم مختلفة.

ومن غرائب الجغرافيا السياسية أن الأرض، كلما صغرت، كبر ثقلها. غزة ليست من أكبر بقاع العالم مساحة. لكنها واحدة من أكثرها كثافة في الرمزية. إنها تشبه عقدة صغيرة في نسيج قديم. يظن الناظر أن قطعها سهل. ثم يكتشف أن الخيط الممتد منها يصل إلى عواصم بعيدة، وأسواق، وتحالفات، وانتخابات، وممرات بحرية، وتوازنات إقليمية، وصور ذهنية تراكمت عبر أجيال. لهذا، فإن أي قرار يخصها لا يبقى داخل حدودها. إنّه يتحرك، مثل دوائر الماء، حتى يبلغ ضفافا لم تكن حاضرة في المشهد الأول. لقد اعتادت السياسة الدولية أن تبحث عن مفاتيح للصراع. لكن بعض الصراعات ليست أبوابا موصدة. إنها بيوت احترقت مفاتيحها مع أبوابها. ولذلك، فإنّ السؤال لا يكون: من يملك المفتاح؟ بل: كيف يعاد بناء البيت أصلا؟ إن الأمن وحده لا يكفي لبناء سلام دائم. كما أنّ العدالة وحدها لا تكفي إذا بقي الخوف يحكم المستقبل. وكلاهما، إذا انفصل عن الآخر، يتحول إلى مشروع ناقص.

ربّما تكمن المأساة الكبرى في أنّ الجميع يتحدث عن اليوم التالي. لكنّ اليوم التالي لا يولد من البيانات. إنه يولد من الثقة. والثقة هي أكثر الموارد ندرة في هذا الصراع. فهي لا تستخرج من باطن الأرض. ولا تشحن في السفن. ولا تفرض بقرار. إنها تبنى ببطء، وتهدم بسرعة، وتحتاج زمنا أطول بكثير من الزمن الذي تحتاجه الحرب لتدميرها. ليست القضية أن يسبق نزع السلاح الانسحاب، أو أن يسبق الانسحاب نزع السلاح. القضية الأعمق هي أن أي ترتيب لا يجيب، في الوقت نفسه، عن معادلة الأمن والكرامة والحقوق والاستقرار، سيظل معرضا لأن يعيد إنتاج الأزمة بأسماء جديدة. فالتاريخ لا يكرر نفسه لأنه يحب التكرار.ة بل لأنه يعاقب الأفكار التي تظن أن معالجة النتائج تغني عن معالجة الأسباب. وغزة، منذ عقود، تعلم العالم درسا شديد القسوة. أن الأرض قد تهدأ. أما السلام، فلا يولد من صمت البنادق وحده. إنه يولد حين يصبح المستقبل أكثر إقناعا من الخوف، وحين يشعر الإنسان، أي إنسان، أن الغد لا يطلب منه أن يختار بين أمنه وكرامته، بل يمنحه كليهما. عندها فقط، لا يعود السلاح هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع. ويصبح السلام، لأول مرة، أكثر قوة من الحرب، لا لأنه انتصر عليها في معركة، بل لأنه جعلها بلا معنى.
📲 Partager sur WhatsApp