بيتكوفيتش, رحلت معه حكاية كانت تبحث عن بطل

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك أشجار كلّما ذبلت أوراقها، أسرع البستاني إلى تغيير الظل. ولا يخطر بباله، ولو مرة واحدة، أن ينحني ليرى الجذور. هذه ليست حكاية بستان. إنّها حكاية كرة القدم، كلّما ضاقت بها الهزيمة. غادر فلاديمير بيتكوفيتش مقعد تدريب المنتخب الجزائري بعد أشهر قليلة من تجديد عقده، وكأن الزمن نفسه قد فقد ثقته في ساعته. قبل أسابيع فقط، كان الرجل جديرا بمشروع يمتد إلى عام 2028، ثم أصبح فجأة جزءا من الماضي. ولم يتغير بين المشهدين سوى نتائج مباريات لعبت على عشب أخضر، بينما بقيت الأسئلة التي تنبت تحت ذلك العشب بلا إجابة. وهنا تبدأ الرواية الحقيقية. لأنّ كرة القدم لا تكذب. لكنّها كثيرا ما تكشف الأكاذيب التي نحكيها لأنفسنا.

في عالم اللعبة، ثمة وهم قديم يشبه السراب. كلما اقتربت منه الإدارات، ازداد ابتعادا. اسمه: المدرب المعجزة. ذلك الكائن الذي يفترض أن يصل حاملا عصا خفية، يلمس بها الأعشاب فتثمر كؤوسا، ويهمس للكرة فتغير قوانين ارتدادها، ويقنع الزمن أن يتباطأ حتى يدرك المهاجم الكرة قبل المدافع. وحين لا يحدث شيء من ذلك، يقال إنّ العصا كانت ناقصة. ولا يسأل أحد إن كانت الأرض نفسها قد نسيت كيف تنبت. ليست المشكلة في بيتكوفيتش. وليست في الذي سبقه. وربّما لن تكون في الذي سيأتي بعده. المشكلة أن بعض البيوت الرياضية تتعامل مع المدرب كما يتعامل البحار المتعب مع البوصلة. كلما ضل الطريق، كسرها. ثم استغرب في الرحلة التالية أن البحر ما زال واسعا.

لقد بلغت الجزائر الدور الإقصائي في كأس العالم، وهو إنجاز لا يجوز محوه بجرة قلم، ثم خرجت أمام منتخب قوي هو سويسرا، كما ودعت كأس إفريقيا من ربع النهائي أمام نيجيريا. هذه نتائج تعرفها كرة القدم منذ ولادتها. فحتى الجبال تخسر حجرا كل شتاء. والأنهار لا تصل كلها إلى البحر. لكننا، في منطقتنا، نريد من الرياضة أن تهزم قوانين الاحتمال نفسها. نطالبها بالكمال، ثم نعاقبها لأنها بقيت بشرا. العجيب أن أكثر المؤسسات استعجالا في تغيير المدربين، هي نفسها الأكثر صبرا على تغيير الأفكار. إنها تبدل الواجهة بسرعة الضوء. أما الأساسات، فتعيش دهورا من الطمأنينة. وحين يتشقق الجدار، يلام الطلاء. ولا يقترب أحد من الحجر الأول.

كرة القدم الحديثة لم تعد لعبة أقدام. لقد أصبحت لعبة مؤسسات. هناك من يبني اللاعب منذ كان في الثامنة. وهناك من يبدأ التفكير فيه حين يبلغ الثالثة والعشرين. هناك من يزرع. وهناك من ينتظر الثمار على أرض لم يحرثها. ثم يتساءل، بكل براءة، لماذا أثمرت الحقول البعيدة أكثر. أخطر ما في ثقافة النتائج السريعة أنها تجعل الذاكرة قصيرة. فالمباراة الأخيرة تصبح التاريخ كله. والهدف الضائع يمحو سنوات من العمل. والخسارة الواحدة تتحول إلى عدسة يرى الناس من خلالها كل شيء. وهكذا، لا يعود الزمن نهرا. بل يصبح بركة صغيرة لا تتذكر إلا آخر حجر سقط فيها. ثمة حكمة صامتة تعلمها الغابات للإنسان. حين تموت ورقة، لا تعقد الشجرة اجتماعا طارئا. وحين ينكسر غصن، لا تقتلع جذعها. إنها تعرف أن الحياة لا تصلح بالذعر. بل بالصبر. أما نحن، فقد أصبحنا نحب الحلول التي تحدث ضجيجا أكثر من الحلول التي تصنع مستقبلا.

ربما سيرحل مدرب آخر بعد عام. وربّما يأتي اسم أكبر. وربما تتحسن النتائج. لكن السؤال سيظل ينتظر، بصبر الفلاسفة، عند باب كل غرفة ملابس. هل نريد أن نصنع انتصارا… أم نريد أن نصنع قدرة دائمة على الانتصار؟ بين السؤالين، تختبئ المسافة كلّها بين مشروع يعيش جيلا، وقرار يعيش مؤتمرا صحفيا. الجزائر ليست فقيرة بالمواهب. ولم تكن يوما غريبة عن كرة القدم. بل إن تاريخها يثبت، مرة بعد أخرى، أن الأرض قادرة على إنجاب اللاعبين. لكن الموهبة تشبه الينبوع. قد يتفجر وحده مرة. أما إذا أردت نهرا لا ينقطع، فعليك أن تفهم الجبل، لا الماء فقط.

ولعلّ أكثر ما تحتاجه كرة القدم، ليس مدربا جديدا. بل علاقة جديدة مع الزمن. فالزمن ليس عدوا للمشروعات. إنّه عدو الارتجال. وكل مشروع يخاف من الوقت، إنّما يعترف، دون أن يدري، بأنّه لم يكن مشروعا منذ البداية. ولهذا، فإنّ رحيل بيتكوفيتش لا ينبغي أن يقرأ باعتباره نهاية رجل، بل باعتباره سؤالا مفتوحا. لأنّ الأمم التي تغير وجوهها كلّ موسم، قد تنجح أحيانا في إخفاء التجاعيد. لكنّها لا تؤخر مرور العمر. أمّا الأمم التي تملك شجاعة النظر إلى المرآة، فإنّها تكتشف أنّ أصعب إصلاح ليس تغيير الصورة… بل تغيير الطريقة التي صنعت بها الصورة منذ البداية.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *